الصفحة 13 من 25

امتدح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذين لا يتداوون من أمته، اتكالا علي الله سبحانه، وأخير أنهم يدخلون الجنة بغير حساب، وهذا يدل علي أن تركهم التداوي محمود، وأنه أفضل من فعله.

أجيب عن الاستدلال به بما يلي:

أ- وقال الداودي وبعض العلماء: إن المراد بالحديث: الذين يجتنبون التداوي في حال الصحة، خشية وقوع الداء، وأما من يستعمل الدواء بعد وقوع الداء فلا [1] .

ب- وقال الخوارزمي: إن الأمر بالتوكل محمول علي التوكل عند اكتساب الأسباب، ثم التوكل بعده علي الله دون الأسباب [2] , وليس في هذا منافاة بين التوكل والأخذ بأسباب الشفاء في المداواة.

ج- وقال الخطابي ومن وافقه: إن المراد بترك الرقي والكي، الاعتماد علي الله في دفع الداء، والرضا بقدره، لا القدح في جواز ذلك، وثبوت وقوعه في الأحاديث الصحيحة وعن السلف الصالح، لكن مقام الرضا والتسليم أعلي من تعاطي الأسباب [3] .

د- وقال ابن حزم: ليس في خبر ابن عباس حمد لترك التداوي أصلا، ولا ذكر فيه للمنع منه، وأمره - صلى الله عليه وسلم - بالتداوي نهي عن تركه [4] .

2 -روي عن ابن عباس - رضي الله عنه -"أن امرأة أتت النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقالت: إني أصرع وإني أتكشف فادع الله لي، قال: إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله أن يعافيك، فقالت: أصبر ولكنني أتكشف، فادع الله أن لا أتكشف، فدعا لها" [5] .

وجه الدلالة منه:

أفاد الحديث جواز ترك التداوي، وأفضلية الأخذ بالشدة عن الأخذ بالرخصة لمن علم من نفسه الطاقة, ولم يضعف عن التزام الشدة، وأن التداوي بالدعاء مع الالتجاء إلي الله سبحانه أنجع وأنفع من العلاج بالعقاقير، وإنما ينجع بأمرين: صدق القصد، وتوجه قلب المداوي إلي الله تعالي وقوته بالتقوى والتوكل علي الله تعالي، وقد قال ابن تيمية: لو كان رفع المرض واجبا لم يكن للتخير موضع [6] .

ثانيا: آثار الصحابة: منها:

1 -روي"أن أبا بكر - رضي الله عنه - لما مرض قالوا له: ألا ندعو لك الطبيب؟، قال: قد رآني، قالوا: فما قال لك؟، قال: إني فعال لما أريد" [7] .

2 -روي عن أبي الدرداء - رضي الله عنه - أنه قيل له في مرضه: ما تشتكي؟، قال ذنوبي، قيل: فما تشتهي؟: قال: مغفرة ربي، قيل أفلا ندعو لك طبيبا؟، قال: الطبيب أمرضني" [8] ."

3 -روي أن أبي بن كعب وغيره من الصحابة قد اختاروا المرض ولم يتداووا منه، وقال أبو طالب المكي: من لم يتداو من الصديقين والسلف الصالح أكثر من أن يحصي، ولم ينكر عليهم عدم التداوي [9] .

(1) نيل الأوطار 9/ 91.

(2) الخوارزمي: الكفاية 8/ 500.

(3) المصدر السابق.

(4) المحلي 7/ 418.

(5) أخرجه البخاري في صحيحه 7/ 211 - 212 ..

(6) فتاوي ابن تيمية 21/ 564، زاد المعاد 3/ 84.

(7) قوت القلوب 2/ 23.

(8) المصدر السابق.

(9) المصدر السابق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت