الصفحة 19 من 25

المقصد الثاني

إذن ولي المريض

شرعت الولاية علي نفس الغير أو ماله نظرا له, إذا كان لا يستقل بأمر نفسه أو ماله لسبب قام به, وكما أن على الولي حفظ مال المولي عليه, فإن عليه كذلك حفظ نفسه وما يتعلق بها, ولذا اعتبر الفقهاء لإباحة العمل الطبّي أن يأذن ولي المريض في إجراء العمل الطبي للمولي عليه إن كان المريض غير أهلٍ لصدور الإذن منه, قال الشافعي:"ولو جاء رجلٌ بصبي ليس بابنه, ولا مملوكه, وليس له بولي, إلى ختانٍ أو طبيب, فقال: اختن هذا, أو بُطّ هذا الجرح له, أو اقطع هذا الطرف له من قرحة به, فتلف, كان على عاقلة الطبيب والختان ديته, وعليه رقبةٌ" [1] , حيث رأي تضمين الطبيب والختان نفس المطبوب والمختون, إذ لم يكن الإذن من الولي, وقال ابن قدامة:"وإن ختن صبيًا بغير إذن وليّه, أو قطع سِلْعَةً من إنسانٍ بغير إذنه, أو من صبي بغير إذن وليّه, فَسَرَت جِنَايتُه, ضمن, لأنّه قطعٌ غير مأذونٍ فيه, وإن فعل ذلك الحاكم, أو من له ولايةٌ عليه, أو فعله من أذنا له, لم يضمن, لأنّه مأذون فيه شرعا ً" [2] , وقال ابن القيم في سرايةِ الخِتَان:"فإن أذن له أن يختنه .. فإن كان بالغًا عاقلًا لم يضمنه؛ لأنه أسقط حقه بالإذن فيه, وإن كان صغيرًا ضمنه؛ لأنه لا يعتبر إذنه شرعا ً" [3] , ومن ثم فإن إذن المريض إن كان غير معتبر شرعا, فإنّه لا يحل الإقدام على الإجراء الطبي إلاّ بعد إذن وليّه, ولا خلاف بين الفقهاء علي أن الوليّ إنما يتصرف بما فيه المصلحة للمولي عليه [4] , لقول الله تعالى:"وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ" [5] , وفي معنى الصغير كل من كان لا يستقل بأمر نفسه, وروي عن معقل بن يسار - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قالً:"ما من عبدٍ يسترعيه الله رعيّة يموت يوم يموت وهو غاش لرعيّته إلا حرَّم الله عليه الجنَّة" [6] , وللقاعدة الفقهية: التصرف على الرعيَّة منوط بالمصلحة [7] , فنفاذ تصرّف الولي معلَّق على المنفعة في تصرّفه, فإن تضمّن منفعةً ما وجب تنفيذه, وإلا رُدّ؛ ومن ثم فإذا امتنع الوليّ عن الإذن في الإجراء الطبّي لموليه على خلاف مقتضى الحظ والغبطة, فإنّ امتناعه هذا يكون ساقطا ولا يعتد به شرعا, وذلك كما في حاجة المولي عليه الماسّة لنقل الدم إليه إذا أصيب في حادثةٍ أو كانت تجري إليه عملية جراحية وافتقر إلي نقل دم إليه, وامتنع الولي عليه من الإذن في إعطائه هذا الدم, أو إذا أذن الولي بإجراء جراحة أو نحوها للمولي عليه لا تقتضيها مصلحته وصلاح بدنه, أو يتمحض الضرر منها, أو أذن في اقتطاع عضو من أعضاء موليه أو تبرع به, فلا يكون إذنه في هذه الحالات معتبرا شرعا, لأنَّ الوليّ إنما يقوم على رعاية مصالح موليه ونقل العضو منه لا ينطوي على مصلحةٍ له, فيخرج عن حدود الولاية, ومما يمنع اعتبار إذن الولي انعدام أهليته بالأولي؛ لأنه إذا تقرر أنَّ المريض لا يعتد بإذنه عند عدم أهليته, فإنه ينبني على ذلك عدم اعتبار إذن الولي الفاقد لهذه الأهليّة؛ لأنه بَدَلٌ عنه, لأن الولاية تقتضي التصرف, ولا يكون أهلا له إلا من كانت له أهلية مباشرته, فإذا لم يكن للولي أهلية التصرف لم يملك مباشرته أو صدوره منه, سواء كان إذنا طبيا أو غيره [8] .

(1) الأم 6/ 65.

(2) المغني 8/ 117.

(3) تحفة المودود بأحكام المولود /157.

(4) بدائع الصنائع 4/ 350, التاج والإكليل 5/ 71, مواهب الجليل 5/ 69, المهذب 1/ 328, روضة الطالبين 3/ 476, المبدع 4/ 337, كشاف القناع 3/ 447.

(5) من الآية 34 من سورة الإسراء.

(6) أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما. (صحيح البخاري 6/ 13, صحيح مسلم 1/ 125) .

(7) الأشباه والنظائر لابن نجيم /137, الأشباه والنظائر للسيوطي /121.

(8) أ. د. عبد الفتاح إدريس: نظرية العقد /81.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت