لم تستأثر كلمة قط بمثل ما استأثرت به كلمة الديمقراطية من الاهتمام والعناية حيث وجهت إليها الأنظار وسلطت عليها الأضواء، بل جعلت النور الذي يبهر الأبصار والفكر الذي يسحر الألباب وأصبحت في نظر الكثيرين المثل الأعلى في الدول، والمجتمعات والأفراد والصفة الحميدة التي يحاول الناس الاتصاف بها، والاعتزاز بالتحلي بها.
ولهذا تجد الشيوعي يدعي أن الشيوعية هي الديمقراطية كما يدعي الرأسمالي أيضا، ويصر على أن المبدأ الرأسمالي هو المبدأ الديمقراطي، والسائرون في ركاب كل منهما يدعون ذلك أيضا، حتى أظلم العملاء وأشدهم تعسفا يتصفون بها.
والأسوأ من ذلك كله أن يقول بعض علماء المسلمين وجمهرة مثقفيهم-زورا وبهتانا-إن الإسلام ديمقراطي أو إن الإسلام دين الديمقراطية، أو إن الديمقراطية هي الإسلام، أو هي مأخوذة منه على الأقل، مستدلين على ذلك ببعض المواقف لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أو بمواقف بعض الخلفاء الراشدين، وفسروها بأنها ديمقراطية، بل هي قمة الديمقراطية.
مثل موقف رسول الله صلى الله عليه وسلم في بدر حين قال"أشيروا علي أيها الناس، وكأن الشورى وعملية أخذ الرأي والحرب عن الصواب هي الديمقراطية، ومثل رجوعه صلى الله عليه وسلم قائلا: أمنزلا أنزلكه الله أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ فقال رسول الله: بل الرأي والحرب ولمكيدة، فقال الصحابي: إذن فهذا ليس بمنزل، فلننزل على أدنى ماء من بدء، فاقتنع رسول الله صلى الله عليه وسلم بصواب رأيه، فترك رسول الله رأيه وأخذ رأي الصحابي."
ومثل قول أبي بكر رضى الله عنه"إن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني، أطيعوني ما أطعت الله فيكم فإن عصيت فلا طاعة لي عليكم".
ومثل قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه"من رأى فيّ اعوجاجا فليقومه، فقال له أعرابي: والله لو رأينا فيك اعوجاجا لقومناه بسيوفنا، فقال عمر: الحمد لله الذي جعل في هذه الأمة من يقوم اعوجاج عمر".