أما السبب الأول ، وهو في نظري السبب الأهم ، لأنه يعم جميع طبقات المجتمع ، مما جعل الناس يقبلون الفكر الإلحادي ، أو على الأقل لا يشفقون على الدين حينما توجه إليه السهام ويطعن به ، ذلك هو الطغيان الذي مارسته الكنيسة باسم الدين ، مما جعل كل إنسان ينفر منه ويعمل للخلاص من قيوده وتعاليمه ، فقد منحت الكنيسة لنفسها حقا إلهيًا في عمل ما تريد ، بلا منازع أو مدافع ، ومنحت البابا العصمة ، لأنه وكيل المسيح على الأرض ، وقسمت المجتمع إلى طبقات ، وأعطت رجال الدين سلطة عامة مطلقة ، وفرضت الضرائب ، واستبدت بالبشر ن وأوجبت الاعتراف بالخطيئة كل عام أمام القس والراهب من أجل المغفرة ، مما كشف أسرار الناس ، وهتك حرماتهم ، وكان هذا الاعتراف طريقا لتدخل الكنيسة في كل شأن من شئون الإنسان العامة والخاصة ، بل طريقا لمآربها الخسيسة الدنيئة ، فباعت الجنة وأصدرت صكوك الغفران ، وصارت هناك تسعيرة معروفة لمسح كل خطيئة ، فكان ثمن الغفران من خطيئة الزنا 150 دوقا ، وثمن الغفران لمن قتل ابنة 400 دوقا ، وثمن الغفران لمن قتل ابنتين 800 دوقا وهكذا . . حتى أصبحت الكنيسة شركة ضخمة لبيع الخلاص بالجملة والتجزئة . . بل صارت مناصب الكنيسة تباع وتشترى ، لأنها أقرب طريق للإثراء والاستبداد ، والوصول إلى لمأرب ، وتحقيق الشهوات والأهواء .
وقد لخص اسكندر السادس أخلاق البلاط البابوي ، وكان قد عرف وسائله أكثر من ثلاثين عاما في ظل البابا أنوسنت الثامن الذي اشترى بابويته بالمال أيضا . . لخص أخلاق البلاط البابوي بقوله: (( إن الله لا يريد أن يموت الخاطئ ، بل أن يحي ويدفع ثمن خطيئته ) ).