فهرس الكتاب

الصفحة 93 من 125

إن الإنسان عندما يسمع هذا الكلام يتوهم أننا نتكلم من وحي الخيال، إلا أنها الحقيقة التي غفل عنها كثير من الناس.

لقد استأنس النمل مئات الأجناس من الحيوانات الأدنى منه شأنا، قبل أن يوجد الإنسان على ظهر الأرض بملايين السنين، ولقد وجد نحو ألفي نوع من هذه الحشرات المختلفة داخل مساكن النمل الذي نجح في استئناسها بينما لم يستأنس الإنسان سوى عشرين نوعا تقريبا.

إن النمل يحب مادة حلوة هي"الندوة العسلية"ولكن هناك حشرات أخرى وخصوصا المن منها، تتخم نفسها بهذا السائل الحلو، ولهذا عمد النمل إلى استخدامها في جمع هذا السائل، ولهذا يرسل النمل رسله في الربيع لتجمع له

بيض هذه الحشرات إلى مستعمرته ، ومن ثم يعنى بها ، ويهتم بشأنها ،فإذا فقس البيض ، وخرجت منه الصغار ، أطعمها النمل وأكرمها ، وبعد فترة قصيرة يحمل النمل صغار المن إلى الخارج ، ويضعه على النباتات التي تفرز"الندوة العسلية"، وعند مجيء الليل يقود النمل ثانية هذه الحشرات إلى المستعمرة ،

تماما كما يفعل الفلاح حينما يعود بالبقر مساء من المراعي كي يحلبها ، ويبدأ النمل بحلب حشرة المن ، ولكن بطريقة عجيبة ، وهي تتمثل بمسح نملة ما ظهر حشرة المن التي لا تلبث أن تفرز المادة الحلوة بهذه المسحة ،ولقد وجدت بعض حشرات المن تعطي ثمانيا وأربعين نقطة من هذا السائل خلال أربع وعشرين ساعة .

وقد بلغ حسن التدبير عند النمل إلى درجة أنه يبني حجرات خاصة لما يحتفظ به من حشرات المن، كما يفعل الفلاح عندما يبني الحظائر لأبقاره.

ومن شغالة النمل صنف معين يصبح بمثابة براميل حية لخزن الرحيق وعصارة بعض الأشجار والنباتات ، وهي تمتلئ بهذا السائل الحلو حتى تنتفخ معدتها كالبالون الصغير ، وتتعلق في سقف العش عاما بعد عاما ، وتملؤها الشغالة الأخرى بالرحيق .

إنها تضحية عجيبة، قلما يوجد مثلها في أرقى المجتمعات البشرية (1)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت