أما مسألة (إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف) : و التي أوردها المؤلف مدعيا عدم معرفة الحكمة في ذلك، فقد شرح الأمام القرطبي ذلك بأن القرآن في مجمله قد أنزل بلغة قريش مدمجا فيه عدة لغات (لهجات) اخرى للعرب، قد يكون ذلك في كلمه بعينها، أو في جملة، أو حتى في حرف من الكلمة، و هو ما اصطلح على تسميته بعلم القراءات. كما هو آت تفصيله:-
•• {قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجّانَا اللّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَآ أَن نّعُودَ فِيهَآ إِلاّ أَن يَشَآءَ اللّهُ رَبّنَا وَسِعَ رَبّنَا كُلّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللّهِ تَوَكّلْنَا رَبّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ} (الأعراف 89) و معنى (افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا) كما جاء في (تفسير بن كثير) أي احكم بيننا و بين قومنا و هي ليست في لغة قريش بل في لغة أهل اليمن، و يقول الأمام القرطبي: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لم يعرف تفسير هذه الأية حتى أتاه رجلين من أهل اليمن في نزاع بينهما قائلين له: يا أمير المؤمنين، بالله عليك افتح بيننا! فلم يفهم حتى أعلموه باختلاف لغة قريش عن لغة اليمن في هذا [1] .
•• {كَأَنّهُمْ حُمُرٌ مّسْتَنفِرَةٌ (50) فَرّتْ مِن قَسْوَرَةٍ (51) } سورة المدثر، و قد شرح الأمام القرطبي معنى كلمة (قسورة) فقال أنها اسم من أسماء الأسد بلغة أهل الحبشة [2] .
•• {أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلََهَكَ وَإِلََهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلََهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} (البقرة 133) ، و قد أورد القرطبي في تفسير هذه الأية قراءة (أبيك) بدلا من (أبائك) على أنها جمع سلامه كما يقول سيبويه [3] ، إذ أن بعض قبائل العرب لا تنطق الهمزة في وسط الكلمة و يعجم ذلك عليها.
و يمكن للقارئ الرجوع إلى كتاب (الأتقان في علوم القرآن) للإمام السيوطي / النوع السادس عشر (في كيفية انزاله) / المسألة الثالثة (في الأحرف السبعة التي نزل القرآن عليها) أو كتاب فتح الباري في شرح صحيح البخاري) لإبن حجر العسقلاني / كتاب فضائل القرآن - باب إن هذا القرآن انزل على سبعة أحرف لمعرفة تفاصيل أكثر حول هذا الموضوع.
و يورد ابن حجر العسقلاني رأيه في هذا الموضوع فيقول: قوله: (باب أنزل القرآن على سبعة أحرف) أي على سبعة أوجه يجوز أن يقرأ بكل وجه منها، وليس المراد أن كل كلمة ولا جملة منه تقرأ على سبعة أوجه، بل المراد أن غاية ما انتهى إليه عدد القراءات في الكلمة الواحدة إلى سبعة، فإن قيل فإنا نجد بعض الكلمات يقرأ على أكثر من سبعة أوجه، فالجواب أن غالب ذلك إما لا يثبت الزيادة وإما أن يكون من قبيل الاختلاف في كيفية الأداء كما في المد والإمالة ونحوهما، وقيل ليس المراد بالسبعة حقيقة العدد بل المراد التسهيل والتيسير، ولفظ السبعة يطلق على إرادة الكثرة
(1) تفسير القرطبي - باب: ان هذا القرآن انزل على سبعة أحرف
(2) نفس المرجع
(3) راجع تفسير القرطبي لهذه الأية