فهرس الكتاب

الصفحة 108 من 298

لقد كان الرائي امرأة بعيدة تمامًا عن مجرى هذا الصراع بين مكة والمدينة ، ولم يكن لديها ذلك الخيال الواسع الذي يمكنها من نسج رؤيا برموز كهذه . وهذا يمنح رؤياها هذه المصداقية ، فلم يكن هناك حديث نفس ، أو تحقيق رغبة كما سيقول لنا ( فرويد ) عن أحلامه .

هذه الرؤيا لم تكن خاصة بالرائي ، بل كانت عامة تهم المجتمع المكي كله . ومن الملاحظ أنها قد أصبحت حديث أهل مكة . وما كان ذلك ليحدث لو لم يكونوا مهتمين بهذا الجانب من العلم ، ومؤمنين بمصداقيته ، ومدركين لإمكانية وقوعه .

لقد وصف أبو جهل صاحبة الرؤيا بالمتنبئة ، وهذا يعني إدراكه أن الرؤيا الصادقة تتحدث عن المستقبل ، وكأنها مرتبطة بما يقوله الأنبياء عمومًا لأقوامهم عما سيحدث لهم .

لقد كانت هناك أصول من هذا العلم معتمدة لديهم ، وما ذكر الرقم ثلاثة إلا واحدًا منها .

فأبو جهل يقول: قد زعمت عاتكة في رؤياها أنه قال: انفروا في ثلاث . فسنتربص بكم هذه الثلاث . فالرقم ثلاثة هو رقم معتمد في تحقيق الرؤيا أكد عليه القرآن الكريم عندما أمهل الله سبحانه قوم صالح عليه السلام ، ثلاثة أيام ، بعد أن عقروا الناقة فقال: { فعقروها فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب } [ هود: 65]

قدمت هذه الرؤيا للمجتمع المكي بأكمله تحذيرًا شديد اللهجة من مغبّة التمادي في هذا الصراع . وبينت لهم في حال استمرارهم فيه ، بأنّ هناك مصائب جمة ستواجههم ، ( فالصخرة التي سقطت من قمة أبي قبيس وتفتت فما بقي بيت من بيوت مكة ولا دار إلا دخلتها منها فلقة ) . كانت إشارة واضحة لهم بأنه ستكون هناك في كل بيت مصيبة واقعة في قتل أحد رجال هذا البيت ، والبيوت الأخرى .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت