فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 22

الثالثة: قالوا: إن العلة فيما عدا الذهب والفضة كونه مطعوم جنس مكيلًا أو موزونًا, فلا يجري الربا في مطعوم لا يكال, ولا يوزن, فلابد أن يجتمع الكيل, والوزن, والطعم من جنس واحد.

قال ابن قدامة في «المغني» : وما وجد فيه الطعم وحده أو الكيل أو الوزن وحده من جنس واحد, ففيه روايتان, والأولى ـ إن شاء الله تعالى ـ حله؛ إذ ليس في تحريمه دليل موثوق به, ولا معنى يقوي التمسك به [1] .

أدلة المذاهب

أولا: أدلة الظاهرية القائلين: بإن تحريم الربا مقصور على الأصناف الستة لا يتعداها إلى غيرها.

استدلوا لذلك, فقالوا: إذا أحل الله ـ تعالى ـ البيع, وحرم الربا, فواجب طلب معرفته؛ ليجتنب, وقال تعالى: (وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ) [2] , فصح أن ما فصل لنا بيانه على لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم - من الربا أو من الحرام, فهو ربا وحرام, وما لم يفصل لنا تحريمه, فهو حلال [3] .

فتحريم الربا مقصور عندهم على الأصناف الستة لا يتعداها إلى غيرها؛ لأنه يعتبر تشريعًا لم يشرعه الله ورسوله، ذلك؛ لأنه لم يقم دليل على حجية القياس حتى تثبت الحرمة, فوجب الاقتصار على الأصناف الستة المذكورة, وبقاء ما عداها على الأصل, وهو الإباحة.

المناقشة: نوقش دليل ابن حزم بأن قصر التحريم في الربا على الأصناف الستة، مبني على عدم حجية القياس, وهذا قول مردود, وغير صحيح, ولا أصل له, فقد انعقد الإجماع على حجية القياس, كما أن النهي المتعلق بأعيان هذه الستة ليس من باب الخاص الذي يراد به الخاص، بل هو من باب الخاص الذي يراد به العام [4] .

ثانيًا: أدلة الحنفية, ومن وافقهم:

استدلوا على ما ذهبوا إليه بالكتاب, والسنة, والاجتهاد.

أما الكتاب: فقوله تعالى: (أَوْفُوا الْكَيْلَ ولَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ * وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ * وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ ولَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) [5] , وقوله ـ سبحانه وتعالى ـ: (وَيلٌ لّلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ) [6] .

وجه الدلالة:

جعل ـ سبحانه وتعالى ـ حرمة الربا بالمكيل, والموزون مطلقًا عن شرط الطعم، كما ألحق الوعيد الشديد بالتطفيف في الكيل أو الوزن مطلقًا من غير فصل بين المطعوم وغيره, فدلَّ على أن العلة هي الكيل والوزن [7] .

أما السنة:

فما روي عن أنس - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ما وزن مثلًا بمثل نوعًا واحدًا, وما كيل مثلًا بمثل إذا كان نوعًا واحدًا» [8] .

وجه الدلالة:

دل الحديث على أنه يجب التساوي في كل متبادلين من جنس واحد إذا كانا يخضعان للكيل أو الوزن.

أما الاجتهاد:

فقد قالوا إنما حرم الرسول - صلى الله عليه وسلم- الفضل في المعيار الشرعي الذي هو الكيل والوزن في الأشياء الستة التي نص عليها إذا كانت جنسًا واحدًا؛ لكونه فضل مال خال عن العوض يمكن التحرز عنه في عقد المعاوضة، وهذا المعنى لا يخص المطعومات, والأثمان, بل يوجد في كل مكيل بجنسه, وموزون بمثله, فالشَّرع الوارد هناك يكون واردًا هاهنا دلالة [9] .

المناقشة:

نوقش استدلالهم بقوله تعالى: (أَوْفُوا الْكَيْلَ ولَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ) وقوله تعالى: (وَيلٌ لّلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ) بأنه غير وارد في محل النزاع؛ إذ هذه الآيات إنما تنهي عن وجود الغش, والخداع في المبايعات.

ونوقش استدلالهم بحديث أنس - رضي الله عنه-: «ما وزن مثلًا بمثل نوعًا واحدًا, وما كيل مثلًا بمثل .. إلخ» بأن فيه اضطراب في السند, واختلاف في اللفظ, فقد رواه الدارقطني عن أبي بكر بن عباس عن الربيع بن صبيح عن الحسن، عن عبادة, وأنس بن مالك ثم قال: لم يرو هذا الحديث غير أبي بكر عن الربيع هكذا، وخالفه جماعة, فرووه عن الربيع عن ابن سيرين عن عبادة, وأنس بلفظ غير هذا اللفظ [10] , وعلى فرض صحته, فلا يصلح للاستدلال به لما ذكره ابن القيم , من أن التعليل بالوزن ليس فيه مناسبة، فهو طرد محض للإجماع على جواز دفع الدراهم والدنانير أثمان المبيعات مما يوزن من نحاس أو حديد أو غيرهما مؤجلًا, فلو كان التقدير بالوزن أو الكيل له دخل في التعليل، لم يجز بيع الموزونات إلى أجل بدراهم, فانتقضت العلة؛ لأن كل

(1) المغني: لابن قدامة: جـ4, ص:8,7.

(2) سورة الأنعام جزء من آية رقم: 119.

(3) المحلى: لابن جزم: جـ8, ص:468.

(4) بداية المجتهد: لابن رشد: جـ2, ص:149.

(5) سورة الشعراء آية 181 إلى 183.

(6) سورة المطففين آية 1 إلى 3.

(7) بدائع الصنائع: للكاساني: جـ7, ص:3108.

(8) نصب الراية: للزيلعي: جـ4, ص:7.

(9) بدائع الصنائع: للكاساني: جـ7, ص:3108.

(10) المجموع شرح المهذب: جـ10, ص:63.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت