وهو مذهب الحنفية [1] , يرى أن علة الربا هي اتحاد الجنس مع الوزن أو الكيل, فالعلة مركبة منهما, فإذا بيع شيء موزون بجنسه أو مكيل بجنسه حرم التفاضل والنساء، فيشترط التساوي بين البدلين في المقدار, ولا يجوز زيادة أحدهما عن الآخر، كما يشترط قبض البدلين في مجلس العقد إذا كانا من النقد، وتعيين ما سوى النقدين, فإذا انعدم أحد الشرطين تحقق الربا.
فإذا بيع الذهب بذهب أو فضة بفضة اشترط تساوي البدلين, وقبضهما في مجلس العقد, وإذا بيع حديد بحديد, وهو من الموزونات، فقد اجتمعت في هذا البيع علة الربا كاملة, وهي اتحاد الجنس مع الوزن, فيشترط تساويهما في المقدار, وتعيينهما في المجلس، فإذا زاد أحد البدلين على الآخر تحقق ربا الفضل, وإذا عين أحد البدلين دون الآخر تحقق ربا النساء.
فيجري الربا عندهم في كل موزون أو مكيل بيع بجنسه سواء كان مطعومًا كالحبوب, والسكر, والأدهان، أو غير مطعوم كالصوف, والقطن, والكتان, والنحاس, والحديد, ونحوها, ولا يجري في مطعوم لا يكال, ولا يوزن كالفواكه المعدودة [2] , وإذا انعدمت علة الربا بكلتا جزئيها بأن اختلف جنس البدلين, ولم يضمهما وزن أو كيل حل التفاضل والنساء، فيجوز زيادة أحد البدلين كما يجوز قبض أحدهما, وتأجيل قبض الآخر؛ لعدم العلة المحرمة.
أما إذا وجد أحد جزئي العلة, وعدم الآخر بأن اتحد جنس البدلين مع عدم المضموم إليه من الكيل أو الوزن، كما لو باع ثوبًا بثوبين, فإنه يحل التفاضل, ويحرم النساء، وكذا لو اختلف الجنسان مع اتحاد المضموم في الكيل أو الوزن، كما لو باع حديد في رصاص, فإنه يحل التفاضل, ويحرم النساء [3] .
المذهب الثاني:
وهو مذهب المالكية, قالوا: أما حرمة ربا الفضل, فعلته في الذهب والفضة كونهما رءوس الأثمان مع وحدة الجنس، وعلته في الأصناف الأربعة الأخرى الادخار, والاقتيات مع وحدة الجنس، وأما حرمة ربا النساء, فعلته في الذهب والفضة كونهما رءوس أثمان، وفي الأصناف الأخرى الأربعة مجرد الطعم دون اعتبار الادخار, ولا وحدة الجنس، فالطعم بإطلاق عند المالكية علة لمنع النساء في المطعومات [4] .
المذهب الثالث:
في تحديد علة الربا هو مذهب الشافعي, ويرى أن العلة في الذهب والفضة كونهما رءوس أثمان كما يقول المالكية أما العلة في الأربعة الباقية, فهي كونها مطعومة, وهو مذهب الشافعي في الجديد [5] .
أما الحنابلة: فلهم في ذلك ثلاث روايات:
الأولى: توافق الحنفية.
الثانية: توافق الشافعية.
(1) شرح فتح القدير: لابن الهمام: جـ5, ص:274.
(2) تيسير الغلام: جـ2, ص:85.
(3) شرح فتح القدير: لابن الهمام: جـ5, ص:279, وما بعدها بتصرف.
(4) بداية المجتهد: لابن رشد: جـ2, ص:149.
(5) المهذب: للشيرازي: جـ1, ص:276.