والحديث, وفيه: «الذهب بالذهب, والفضة بالفضة يدًا بيد مثلًا بمثل, فمن زاد, فهو ربا» , فقال ابن عباس: أستغفر الله, وأتوب إلى الله, فكان ينهى عنه أشد النهي.
وقيل: المعنى في قوله: «لا ربا إلا في نسيئة» الربا الأغلظ الشديد التحريم المتوعد عليه بالعقاب الشديد, كما تقول العرب: «لا عالم في البلد إلا زيد» مع أن فيها علماء غيره، وإنما القصد نفي الأكمل لا نفي الأصل, وأيضًا, فنفي «ربا الفضل» من حديث أسامة إنما هو بالمفهوم, فيقدم عليه حديث أبي سعيد؛ لأن دلالته بالمنطوق، ويحمل حديث أسامة على الربا الأكبر, وأيضًا الأحاديث القاضية بتحريم «ربا الفضل» ثابتة عن جماعة من الصحابة كأبي بكر, وعمر, وعثمان, وأبي هريرة, وهشام بن عامر, والبرّاء, وأبي بكر, وابن عمر, وأبي الدرداء, وبلال - رضي الله عنهم -, فلو فرض معارضة حديث أسامة لها من جميع الوجوه, وعدم إمكان الجمع أو الترجيح بما سلف، لكان الثابت عن الجماعة أرجح من الثابت عن الواحد [1] .
«علة الربا» :
لما كانت أحاديث النبي في الربا مجملة, ولم يأت فيها التصريح بجميع الصور الجزئية للمعاملات، كما أشار إلى ذلك عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - بقوله: إن آية الربا من آخر ما نزل من القرآن وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قبض قبل أن يبينه لنا, فدعوا الربا والريبة [2] .
لذا اختلف الفقهاء في تعيين الأجناس الربوية, وعلة تحريمها, فيرى الظاهرية [3] أن الربا مقصور على الأجناس الستة المقصورة في الحديث السابق ذكره: «الذهب بالذهب والفضة بالفضة ... إلخ» .
أما الأجناس الأخرى, فهي على أصل الإباحة، ولا يجري فيها الربا, ويجوز تبادلها بالتفاضل بدون قيد، وذلك لنفيهم القياس.
أما جمهور الفقهاء, فإنهم قالوا: كما حرم الرسول - صلى الله عليه وسلم- الربا في بيع هذه الأشياء بجنسها, فيحرم كذلك في بيع غيرها بجنسها؛ لأن الكل سواء, ولا يختص التحريم بالأصناف الستة المذكورة في الحديث، بل يتعدى إلى ما في معناها, وهو ما يشاركها في العلة؛ لأن القياس دليل شرعي، فيجب استخراج علة هذا الحكم, وإثباته في كل موضع وجدت علته فيه، وإنما خص النبي - صلى الله عليه وسلم - هذه الأصناف بالذكر؛ لأن أغلب المعاملات الكائنة بين المسلمين في عهده كانت فيها, فلذا اقتصر عليها في الحديث [4] .
وقد اتفق جمهور الفقهاء على أن العلة في الذهب والفضة واحدة, وعلة الأربعة الباقية واحدة, ولكنهم اختلفوا في فهم العلة المانعة من التفاضل والنساء, وذهبوا في ذلك المذاهب الآتية:
المذهب الأول:
(1) أحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام: لابن دقيق العيد جـ3, ص:186.
(2) أحكام القرآن للجصاص: جـ1, ص:464.
(3) المحلى: لابن حزم: جـ8, ص:468.
(4) أحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام: لابن دقيق العيد جـ3, ص:182, تيسير الغلام: مجلد 2, ص:14.