قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) [1] .
فهذه الآيات من آخر آيات القرآن الكريم نزولًا, فقد قيل: إنها نزلت قبل وفاة النبي - صلى الله عليه و سلم - بثلاثة أشهر، وهذه الآيات تفيد تحريم الربا تحريمًا قاطعًا لا شبهة فيه.
ربا الجاهلية:
إن الربا كان على عدة صور في الجاهلية كما وردت بذلك الروايات, قال قتادة:"إن ربا أهل الجاهلية بيع الرجل إلى أجل مسمى, فإذا حلّ الأجل, ولم يكن عند صاحبه قضاء زاده, وأخر عنه".
وقال مجاهد في الربا الذي نهى الله عنه:"كانوا في الجاهلية يكون للرجل على الرجل الدَّين, فيقول لك كذا وكذا تؤخر عني, فيؤخر عنه" [2] .
قال الجصاص:"الربا الذي كانت العرب تعرفه وتفعله، إنما كان قرض الدراهم والدنانير إلى أجل بزيادة على مقدار ما استقرض على ما يتراضون به، هذا كان المتعارف المشهور بينهم، ولذلك قال الله ـ تعالى ـ: (وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فلَا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ) [3] , وقال أيضًا: إنه معلوم أن ربا إنما كان قرضًا مؤجلًا بزيادة مشروطة, فكانت الزيادة بدلًا من الأجل, فأبطله الله ـ تعالى ـ وحرمه [4] , وقال تعالى: (وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ) [5] ."
حكمة تحريم الربا:
حرم الله - سبحانه وتعالى ـ الربا لما فيه من مفاسد أخلاقية خطرة، لا تثمر إلا العداوة والبغضاء، وأكل أموال الناس بالباطل، فلا يكاد يختلف إثنان في أن المجتمع الذي يتعامل أفراده فيما بينهم بالربا، ولا يساعد فيه أحد غيره إلا أن يرجو فائدة، ويكون فيه عوز أحدهما, وضيقه, وفقره، فرصة يغتنمها غيره للتمول, والاستثمار, وتكون مصلحة الطبقات الغنية الموسرة فيه مناقضة لمصلحة الطبقات المعدمة لا يمكن أن يقوم, ويظل قائمًا مثل هذا المجتمع على قواعد محكمة أبدًا، ولابد أن تبقى أجزاؤه مائلة إلى التفكك, والتشتت في كل حين من الأحيان، وتنعدم معاني الخير والنبل في نفوس الناس كما تنعدم روح التضحية والإيثار، وتحل محلها حب الذات, والأثرة, والأنانية, والجشع, والطمع، وتتلاشى الروابط الأخوية بين الإنسان وأخيه الإنسان, فيعدو وحشًا مفترسًا لا يهمه من الحياة إلا جمع المال, وامتصاص دماء الناس, واستلاب ما في أيديهم, ويصبح ذئبًا ضاريًا في صورة إنسان وديع؛ لذلك رأى الإسلام أن أحرى السبل إلى رأب الصدع, ولم الشمل, وتكوين أمة متماسكة
(1) سورة البقرة آية رقم: 275.
(2) تفسير الطبري جـ 3, ص:67 - جـ6, ص:8.
(3) سورة الروم جزء من الآية رقم:39.
(4) أحكام القرآن للجصاص: جـ1, ص:465 - 467.
(5) سورة البقرة جزء من الآية رقم:239.