فقد أجمع المسلمون منذ العصر الأول إلى يومنا هذا على تحريم الربا, وعلى أن الزيادة في الدَّين في نظير الأجل محرمة، وكبيرة من الكبائر التي ورد فيها الوعيد الشديد, وأن من ينكر ذلك, فإنما ينكر أمرًا قد علم من الدين بالضرورة.
التدرج في تحريم الربا, والأدوار التي مر بها التحريم:
لقد مر تحريم الربا بأربعة أدوار, وذلك تمشيًا مع قاعدة التدرج:
الأول: كان النبي - صلى الله عليه وسلم ـ بمكة المكرمة، وهو بين ظهراني المشركين, وذلك هو ما جاء في قوله تعالى: (وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فلَا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ) [1] , وليس في الآية كما يبدو ما يشير إلى تحريم الربا، وإنما فيها إشارة إلى بغض الله للربا, وأن الربا ليس له ثواب عند الله، ويقابل ذلك تحسينه للزكاة والبر، وهذا يدل على التحريم بتضمنه, وإن لم تكن الدلالة صريحة قاطعة.
وواضح من ذلك أن الإسلام لم يسكت عن المجاهرة بأن الربا غير فطري في أي دور من أدوار الدعوة الإسلامية, حتى والنبي - صلى الله عليه وسلم - في مكة قبل أن يفصل الأحكام العملية للشريعة الإسلامية.
الثاني: نزل قوله تعالى: (فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا * وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ) [2] .
فهذه الآية درس قصه الله -سبحانه- علينا من سيرة اليهود الذين حرم عليهم الربا, فأكلوه, واستحقوا عليه اللعنة, والغضب، وهو تحريم بالتلويح لا بالتصريح؛ لأنه حكاية عن جرائم اليهود, وليس فيه ما يدل دلالة قطعية على أن الربا محرم على المسلمين.
الثالث: نزل قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَاكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً) [3] , ففي هذه الآية تحريم صريح قاطع، وبيان لقبح الربا, وما فيه من ظلم شديد، ولكنه تحريم جزئي لا كلي؛ لأنه تحريم لنوع من الربا الذي يسمى (الربا الفاحش) , وهو: الربا الذي بلغ في الشناعة, والقبح الذروة العليا, وبلغ في الإجرام النهاية العظمى؛ حيث كان الدَّين فيه يتزايد حتى يصبح أضعافًا مضاعفة يضعف عن سداده كاهل المستدين الذي استدان؛ لحاجته, وضرورته.
الرابع: نزل في هذا الدور الأخير التحريم الكلي القاطع الذي لا يفرق فيه القرآن بين القليل والكثير, وهو قوله تعالى: (الَّذِينَ يَاكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ
(1) سورة الروم الآية: 39.
(2) سورة النساء الآيتين 160 - 161.
(3) سورة آل عمران الآية 130.