ونبوة الانبياء. وقد أخبر محمد - صلى الله عليه وسلم - من توحيد الله وصفاته واسمائة وملائكته وعرشه وكرسية وانبيائة ورسله واخبرهم واخبار مكذبيهم بنظير ما يوجد في كتب الانبياء من التوراة وغيرها. فمن تدبر التوراة والقرآن علم أنهما جميعًا يخرجان من مشكاة واحدة كما ذكر ذلك النجاشي وكما قال ورقة بن نوفل: هذا هو الناموس الذي كان يأتي موسى ولهذا قرن الله - تعالى - بين التوراة والقرآن في مثل هذا في قوله {لولا أوتي مثل ما أوتي موسى أو لم يكفروا بما أوتي موسى من قبل} الى قوله {إن كنتم صادقين} (القصص: 48 - 49) وقالت الجن {إنا سمعنا كتابًا أنزل من بد موسى مصدقًا لما بين يدية} الاية (الاحقاف: 30) وقال {أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه ومن قبله كتاب موسى إمامًا ورحمة} (هود: 17) وقال {وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورًا وهدى للناس} الى قوله: {وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه} (الانعام: 91 - 92) .
ومن الطرق: الطرق الواضحة القاطعة المعلومة الى قيام الساعة بالتواتر من أحوال أتباع الانبياء وأحوال من كذبهم وكفر بهم حال نوح وقومه وهود وقومه وصالح وقومه وحال ابراهيم وقومه وحال موسى وفرعون وحال محمد - صلى الله عليه وسلم - وقومه. وهذا الطريق قد بينها الله في غير موضع من كتابه كقوله {كذبت (قبلهم) } قوم نوح والاحزاب من بعدهم الى قوله {فكيف كان عقاب} (غافر: 5) وقال {وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وثمود وقوم ابراهيم وقوم لوط. وأصحاب مدين وكُذب موسى} الى قوله {فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة} الى قوله {أفلم يسيروا في الارض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها} (الحج: 42 - 46) ؟ وقوله: {وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل أفلا تعقلون} (الصافات: 137 - 138) ؟ وقال: {إن في ذلك لآيات للمتوسمين} (الحجر: 75) .فبين أنه تارك آثار القوم المعذبين للمشاهدة ويستدل بذلك على عقوبة الله لهم، وقال تعالى: {وكم أهلكنا من القرون} الآيتان (الاسراء: 17 - 18) فذكر طريقين يعلم بهما ذلك.
أحدهما: ما يعاين ويعقل بالقلوب.
والثاني: مايسمع، فإنه قد تواتر عند كل أحد حال الانبياء ومصدقهم ومكذبهم وعاينوا من آثارهم ما دل على أنه سبحانه عاقب مكذبهم وانتقم منهم وأنهم كانوا على الحق الذي يحبه ويرضاه وأن من كذبهم كان على الباطل الذي يغضب الله على أهله، وأن طاعة الرسل طاعة لله ومعصيتهم معصية لله.
ومن الطرق أيضًا: أن يعلم ما تواتر من معجزاتهم الباهرة وآياتهم القاهرة وأنه يمتنع أن تكون