مؤدى قول من يعترض على إثبات صفات الله تعالى على حقيقتها
فكأن الذي جاء عن الله ورسوله في أعظم أركان الإيمان هو الإيمان بالله ومعرفته ومعرفة أسمائه وصفاته وأفعاله جاء ملتبسًا مشتبهًا حقه بباطله وأن ظاهره البطلان والفساد وأن الحق في إخراجه عن ظاهره بالتأويلات الفاسدة والمجازات الباطلة ومستنكرات اللغة، فكيف يتوهم من لله ورسوله ولدينه ولكتابه في قلبه وقار أن يكون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أمسك عن بيان الحق في هذا الأمر العظيم ولم يتكلم فيه بالصواب، بل تكلم بما ظاهره خلاف الصواب، حتى احتاج الأمر إلى تأويلات أهل التعطيل والتحريف؟ ثم هل يعقل أن يكون خير الأمة وأفضلها وأعلمها، وأسبقها إلى كل فضل وعلم وهدى ومعرفة قد قصروا في هذا الباب فجفوا عنه، أو تجاوزوا فضلوا فيه، أو سكتوا عن بيان الحق حتى جاءت عصور المتكلمة والمناطقة والفلاسفة وأتباعهم فبينوا ما عجز عن الصحابة وهم أهل العلم والإيمان وأرباب اللغة والبيان؟ وهذا هو مؤدى قول كل من يعترض على إثبات الصفات على حقيقتها وظاهرها وحملها على المجاز والاستعارة والتأويل الصارف لها عن مراد المتكلم بها، وفي هذا القدح في علم المتكلم بالوحي وفي بيانه وفي نصحه، وتقرير ذلك أن يقال:
إما أن يكون المتكلم بنصوص الصفات عالمًا أن الحق في تأويلات المعطلة النفاة أو لا يعلم ذلك، فإن كان لا يعلم ذلك - مع كون الحق فيها كما يزعم المؤولة والنفاة - كان ذلك قدحًا في علمه.
وإن كان يعلم أن الحق فيها فلا يخلو من حالين:
الأول: أن يكون قادرًا على التعبير بعبارة أهل التأويل والتعطيل التي يدّعون أنها هي عين التنزيه لله تعالى، ومع ذلك لم يتكلم بها بل تكلم بخلافها فكان ذلك قدحًا في نصحه.