للحافظ عبد الرحمن بن رجب الحنبلي
فقد بلغني إنكار بعض الناس على إنكار علي بعض من ينتسب الى المذهب الإمام احمد وغيره من مذاهب الأئمة المشهورين في هذا الزمان الخروج عن مذاهبهم في مسائل وزعم أن ذلك لا ينكر على من فعله ، وأن من فعله قد يكون مجتهدًا متبعًا للحق الذي ظهر له أو مقلدًا لمجتهد آخر . فلا ينكر ذلك عليه .
فأقول وبالله التوفيق ، وهو المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله:
لا ريب أن الله تعالى حفظ لهذه الأمة دينها حفظًا لم بحفظ مثله دينًا غير دين هذه الأمة ؛ وذلك أن هذه الأمة ليس بعدها نبي يجدد ما دثر من دينها كما كان دين من قبلنا من الأنبياء ، كلما دثر دين نبي جدده نبي آخر يأتي بعده . فتكفل الله سبحانه بحفظ هذا الدين ، وأقام له في كل عصر حملة ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين .
وقال تعالى ( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ) [ الحجر9] . فتكفل الله سبحانه بحفظ كتابه ، فلم يتمكن أحد من الزيادة في ألفاظه ولا من النقص منها.
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرئ أمته القرآن في زمانه على أحرفٍ متعددة ؛ تيسرًا على الأمة لحفظه وتعليمه حيث كان فيهم العجوز والشيخ الكبير ، والغلام والجارية والرجل الذي لم يقرأ كتابًا قط .
فطلب لهم الرخصة في حفظهم له أن يقرئهم سبعة أحرف ؛ كما ورد ذلك في حديث أبي بن كعب وغيره .
ثم لما انتشرت كلمة الإسلام في الأقطار ، وتفرق المسلمون في البلدان المتباعدة صار كل فريق منهم يقرأ القرآن على الحرف الذي وصل إليه . فاختلفوا حينئذ في حروف القرآن اختلافًا كثيرًا .
فأجمع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في عهد عثمان علي جمع الأمة على حرفٍ واحد ، خشية أن تختلف هذه الأمة في كتابها كما اختلفت الأمم قبلهم في كتبهم ، ورأوا أن المصلحة تقضي ذلك .