... كل هذا يدل على أن (لا) التي لنفي الجنس نص في عموم النفي ولكنها لا تمنع التخصيص كما ظهر لك من الأمثلة ، وبهذا يتجلى خواء قول من قال إن حديث عبادة قطعي في بطلان صلاة من لم يقرأ بفاتحة الكتاب .
وبعد فهذه الأوجه التي رددنا بها على استدلال من قال بوجوب قراءة الفاتحة مطلقا بحديث عبادة بن الصامت ، قصدنا بها بيان القول الأجدر بالاتباع والأحرى بالعمل والتطبيق ، وكذلك القول المحقق للمقاصد الشرعية والمصالح المعتبرة .
مع الأخذ بعين الاعتبار أن ما ذهبنا إليه هو قول جمهور العلماء من الصحابة والتابعين والمذاهب المتبوعة بل حكى على هذا القول الإجماع إمام جليل هو الإمام أحمد بن حنبل .
وغني عن القول أن المسألة من فروع العبادات التي يلزم العالم المجتهد أن يتحرى فيها الدليل ، وأما المقلد فيتحرى اتباع العالم التقي الذي يطمئن لتقليده .
وأجمع العلماء أن صلاة كلا الفريقين صحيحة عند أصحابهما ، فيجوز ائتمام شافعي بحنفي والعكس ، أما الحكم ببطلان الصلاة فهو باعتبار قول القائل به ، فمن تبنى وجوب قراءة الفاتحة للمأموم في الجهرية فلم يقرأ فصلاته باطلة ، وليس صلاة كل من لم يقرأ الفاتحة والحال كهذه أنه تبطل صلاته ، مادام قد اعتبر في قوله بالدليل الشرعي المعتبر .
كل ذلك ليعلم الناس أن القول بعدم وجوب الفاتحة قول معتبر ، وليس قولا خارجا عن أقوال أهل السنة كما يزعم البعض ، بل هو قول وجيه بل قوي وراجح تعضده أدلة قوية متكاثرة من القرآن والسنة والإجماع والقياس .
ولا سبيل إلى احتكار الحق في مثل هذه المسائل ، بل ينبغي أن يتغافر أهل العلم فيما بينهم وأن يسعهم ما وسع السلف رضوان الله عليهم .
اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلا وألهمنا اجتنابه ، والله هو المسئول عن إصلاح ذات البين ، والحمد لله رب العالمين .
بانكوك . سبتمبر 1999م