المسلمين من السماح لأهل الكتاب ببناء الكنائس في القرى التي يكون غالبها مسلمين. وقد جرى العمل على هذا في تاريخ المسلمين منذ عهد مبكر"فقد بُنِيت في مصر عدة كنائس في القرن الأول الهجري، مثل كنيسة مار مرقص بالإسكندرية (ما بين 39 - 56 هـ) ، كما بُنِيت أول كنيسة بالفسطاط في حارة الروم في ولاية مسلمة بن مخلد على مصر بين (عامي 47 - 68 هـ) ، كما سمح عبد العزيز بن مروان حين أنشأ مدينة حلوان ببناء كنيسة فيها، وسمح كذلك لبعض الأساقفة ببناء ديرين"
بل صرح المؤرخ المقريزي بقوله:"وجميع كنائس القاهرة المذكورة محدَثة في الإسلام بلا خلاف". أما في القرى والمواضع التي ليست من أمصار المسلمين فلا يُمنعون من إظهار شعائرهم الدينية، وتجديد كنائسهم القديمة، وبناء ما تدعو حاجتهم إلى بنائه؛ نظرًا لتكاثر عددهم. بل هذا التسامح لم يظهر إلا في الإسلام، حتى قال العلامة الفرنسي جوستاف لوبون:"رأينا من آي القرآن التي ذكرناها آنفًا أن مسامحة محمد لليهود والنصارى كانت عظيمة إلى الغاية، وأنه لم يقل بمثلها مؤسسوا الأديان التي ظهرت قبله كاليهودية والنصرانية على وجه الخصوص، وسنرى كيف سار خلفاؤه على سنته"، كما نقل هذا عن ألسنة أوربيين، أمثال روبرتسن في كتابه"تاريخ شارلكن"وغيره.
حق العمل والكسب: كما كفل الإسلام لغير المسلمين حق العمل والكسب؛ فلهم كل الأنشطة التجارية من بيع وشراء وإجارة ووكالة وغيرها إلا الربا؛ لما رُوِي أن النبي - صلى الله عليه وسلم- كتب إلى مجوس هجر:"إما أن تذروا الربا أو تأذنوا بحرب من الله ورسوله"، يضاف إلى هذا بيع الخمور والخنزير في أمصار المسلمين، وما سوى هذا فلهم الحرية في التعامل. قال آدم ميتز:"ولم يكن في التشريع الإسلامي ما يغلق دون أهل الذمة أي باب من أبواب الأعمال، وكانت قدمهم راسخة في الصنائع التي تدر الأرباح الوافرة؛ فكانوا صيارفة وتجارًا وأصحاب ضياع وأطباء، بل إن أهل الذمة"