فهرس الكتاب
7 ـ وروى البخاري ومسلم (1) واللفظ للبخاري ، عن مالك بن الحُوَيرث رضي الله عنه ، قال: (( أَتَينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن شَبَبَةٌ مُتَقاربون(2) ، فأقمنا عنده عِشرين ليلة ، وكان رسول الله رَحيمًا رَفيقًا ، فلما ظَنَّ أنّا قد اشتَقْنا أَهلنا ، سألنا عمن تركنا بعدنا فأخبرناه ، قال: ارجعوا إلى أهليكم ، فأقيموا فيهم ، وعلِّموهم ومُروهم ، وصلّوا كما رأيتموني أصلّي ، فإذا حضرتْ الصلاة ، فليُؤَذِّن لكم أحدُكم ، ولْيَؤمَّكم أكبركم )) (3)
(1) ـ البخاري 2: 93 في كتاب الأذان (باب الأذان للمسافرين) ، ومسلم 5: 174 في كتاب المساجد (باب من أحق بالإمامة) .
(2) ـ الشببة جمعُ شابّ . ومتقاربون أي في السِّنّ والعُمر .
(3) ـ في هذا الحديث الشريف من الأمور التعليمية: ارتحالُ الشباب جماعةً إلى العالِم ، ليتلقّوا منه العِلم ، وليأخذوا عنه الفقه في الدين ، ولِيَصْطحِبوه فترةً من الزمن ، فيَشهدوا منه سُلوكه ، وهَدْيَهُ وعَمَله ، فتَستَنير بذلك أفهامهم بقُربهم منه ومُلازمتهم له ، ويأخذوا العلم مصحوبًا بالعمل به ، فيكون أوضح في نفوسهم ، وأطيب في سلوكهم ، كما كان شأن صحابة النبي صلى الله عليه وسلم معه .
وفي هذا الحديث أيضًا النظرُ إلى ذاته الشريفة صلى الله عليه وسلم التي هي مَجْمَعُ القُدوة ونموذج الإنسان الكامل . وفيه أيضًا: تعلُّم أحكام الشريعة منه صلى الله عليه وسلم ، وفيه أيضًا: أن الأفضل بالمتعلِّم أن يقصد من علماء عصره: الأوفى علمًا ، والأعلى فهمًا .. فقد كان آباءُ هؤلاء الشباب صَحابةً لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، التَقَوْا به وأخذوا عنه ، وعَلِموا منه ، فما اكتفى هؤلاء الشباب بالأخذ منهم ، بل قَصَدوا سيدَ العلماء ، وتاجَ الأنبياء ، وأعلم البشر صلى الله عليه وسلم .
وخصَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم هنا: الأكبر بالإمامة للصلاة فيهم ، نظرًا إلى تساويهم في العلم والتعلم منه عليه الصلاة والسلام ، فإذْ تساوَوْا في ذلك كان وصف الكِبَر فيهم صفة مميزة للكبير على من دونه في السن ، فيُقدَّمُ الكبير .
أما إذا كان بعضهم أعلَم من بعض فيقدَّم الأعلم على من سواه ، لأن صفة العلم أعلم وأشرف من صفة كِبَر السن . وانظر حقوق الكبر وصفة العلم في كُتَيِّبي: (( من أدب الإسلام ) )، في الأدب 16 ، 17 ، 18 .