فهرس الكتاب
وكانت قريش بأَسْرِها تتيقَّنُ صِدقَه قبل الإسلام ، فجهروا بتكذيبه في استدعائهم إليه (1) ، فمنهم من كذَّبه حَسَدًا ، ومنهم من كذَّبه عنادًا ، ومنهم من كذَّبه استبعادًا أن يكون نبيًا أو رسولًا . ولو حَفِظوا عليه كِذبةً نادرةً في غير الرسالة ، لجعلوها دليلًا على تكذيبه في الرسالة .
ومن لَزِمَ الصدقَ في صِغَره ، كان له في الكبر ألزَم ، ومن عُصِمَ منه في حقِّ نفسه ، كان في حُقوقِ الله تعالى أعصَم . وحَسْبُك بهذا دَفْعًا لجاحِد ، ورَدًّا لمعانِد .
والخصلة السابعة: تَحريرُ كلامه في التوخّي به إبّانَ حاجتِه ، والاقتصارُ منه على قَدْرِ كفايتِه ، فلا يَسترسِلُ فيه هَذَرًا (2) ، ولا يُحْجِمُ عنه حَصَرًا (3) ، وهو فيما عدا حالتيْ الحاجة والكِفاية ، أجملُ الناسِ صَمْتًا ، وأحسنَهُم سَمْتًا (4) ، ولذلك حُفِظَ كلامُه حتى لم يَخْتَل ، وظَهَرَ رَوْنَقُهُ حتى لم يَعْتَلّ ، واستَعذَبَتْه الأفواه ، حتى بقي محفوظًا في القلوب ، ومُدوَّنًا في الكُتُب .
(1) ـ أي حين طلب منهم أن يستجيبوا لما دعاهم إليه من الدين .
(2) ـ يقال: هذر الرجلُ في منطقه هَذْرًا وهَذَرًا: إذا تكلَّم بما لا ينبغي . وهَذِرَ كلامُه هَذَرًا: كثُرَ فيه الخطأ والباطل .
(3) ـ الحَصَر: العجزُ عن البيانِ والقولِ المُفهِم .
(4) ـ السَّمتُ هنا: السكينةُ والوقار .