فهرس الكتاب

الصفحة 40 من 174

الخَصْلة الأولى: حُسُن سيرته ، وصِحّةُ سِياستِه ، في دينٍ نقلَ به الأُمّة عن مألوف ، وصَرَفهم به عن معروفٍ إلى غير معروف (1) ، فأذْعَنَتْ به النفوسُ طوْعًا ، وانقادَتْ له خوفًا وطَمَعًا ، وليس ذلك بالسهل اليسير ، إلاّ لمن كان مع التأييد الإلهي مُعانًا بحَزْمٍ صائب ، وعزْمٍ ثاقب .

ولئن كان مأمورًا بما شرع ، فهي الحُجّةُ القاهرة ، ولئن كان مجتهدًا فيه فهي الآيةُ الباهرة ، وحسبُك بما استقرَّتْ قواعدُه على الأبد ـ حتى انتقَلَ عن سَلَفٍ إلى خَلَف تزدادُ فيهم حلاوتُه ، وتشتدُّ فيهم جِدَّتُه ، ويَرَوْنه نظامًا لأعصار تتقلَّبُ صُروفُها ، ويختلف مألوفُها ـ أن يكون لمن قام به بُرهانًا ، ولمن ارتاب به بيانًا .

والخَصْلة الثانية: أنه جَمَع بين رغبةِ من استمال ، ورهبةِ من استطاع ، حتى اجتمع الفريقان على نُصرتِه ، وقاموا بحقوقِ دعْوتِه ، رَغَبًا في عاجل وآجل ، ورَهبًا من زائلٍ ونازِل ، لاختلافِ الشِّيَم والطباع في الانقياد الذي لا يَنتظمُ بأحدهما ، ولا يَستديمُ إلاّ بهما ، فلذلك صار الدّين بهما مستقرًا ، والصلاح بهما مستمرًا .

والخَصْلة الثالثة: أنه عَدَلَ فيما شَرَعه من الدين عن الغُلوِّ والتقصير ، إلى التوسُّط ، وخيرُ الأمور أوساطُها . لأنه العَدْلُ بين طرَفَيْ سَرَفٍ وتقصير ، وليس لما جاوَزَ العدلَ حظٌّ من رشاد ، ولا نصيبٌ من سَداد .

(1) ـ أي صَرَفهم عن شيء معروف عندهم مألوف بينهم ، إلى أمرٍ جديد عليهم ، غير معروفٍ لديهم ، وفي التمكن من ذلك صُعوباتٌ لا تخفى جَسامتُها .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت