فهرس الكتاب

الصفحة 41 من 174

والخَصْلة الرابعة: أنه لم يَمِلْ بأصحابه إلى الدنيا ، ولا إلى رَفْضِها ، وإنما أمَرهم فيها بالاعتدال ، وقال: (( خيرُكم من لم يترُكْ دُنياه لآخِرَتِه ، ولا آخِرتَه لدنياه ، ولكن خيرُكم من أخَذَ من هذه وهذه ) ) (1) .

وهذا صحيح ، لأن الانقطاع إلى أحدهما اختلال ، والجمعَ بينهما اعتدال .

وقال صلى الله عليه وسلم: (( نعم المطيّةُ الدُّنيا ، فارتحلوها تُبَلِّغُكم الآخِرة ) ) (2) . وإنما كانت كذلك ، لأن منها يَتزوَّدُ المرءُ لآخرتِه، ويستكثر فيها من طاعتِه ، ولأنه لا يخلو تاركُها من أن يكون محرومًا مُضاعًا ، أو مرحومًا مُراعى ، وهو في الأوَّل كَلّ ، وفي الثاني مُستَذَلّ .

والخَصْلة الخامسة: تَصدّيه لمعالِم الدين ، ونوازِل الأحكام ، حتى أوضح للأُمّة ما كُلِّفوه من العبادات ، وبيّن لهم ما يَحِلُّ ويَحرُمُ من مُباحاتٍ ومحظورات ، وفصَّلَ لهم ما يجوزُ ويمتنعُ من عقود ومناكحَ ومُعاملات ، حتى احتاجَ أهلُ الكتاب في كثيرٍ من معاملاتهم ومَواريثهم لشرعِه ، ولم يَحتَجْ شرعُه إلى شَرْعِ غيره .

(1) ـ رواه الديلمي وابن عساكر في (( تاريخه ) )عن أنس بن مالك رضي الله عنه ، ولفظه قريب مما ذُكر هنا وهو: (( ليس بخيركم من تَرَك دنياه لآخرته ، ولا آخرته لدنياه ، حتى يُصيبَ منهما جميعًا ، فإن الدنيا بلاغ إلى الآخرة ، ولا تكونوا كَلاًّ على الناس ) ).

(2) ـ لم أجده بهذا اللفظ ، وقريبٌ منه حديثُ: (( الدنيا قنطرةُ الآخرة ، فاعبروها ولا تَعمُروها ) )، ذكره الديلمي في (( الفردوس ) )2: 351 ولم يذكر له سندًا .

وروى الحاكم في (( المستدرك ) )4: 312 عن طارق بن أشيَم مرفوعًا (( نِعْمَتْ الدارُ الدنيا لمن تَزَوَّد منها لآخرته حتى يُرضي ربَّه عز وجل ) ). صحَّحه الحاكم إلاّ أن في سنده عبد الجبار بن وهب ، وهو لا يُعرَف .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت