فهرس الكتاب
فلْيَقُلْ بثوبه هكذا (1) ، ثم طَوى ثوبَه بعضَه على بعض ـ وفي رواية أبي داود: ووضَعَ ثوبَه على فيه ثم دَلَكه ـ .
ثم قال: أَروني عَبيرًا (2) ، فقام فتىً من الحيّ يَشتَدُّ إلى أهلِه (3) ، فجاء بخَلوقٍ في راحَتِه ، فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجعَلَه على رأسِ العُرْجون (4) ، ثم لَطَخَ به على أَثَر النُّخامة (5) .
قال جابر: فمن هنا جَعلتُم الخَلوقَ في مَساجِدكم )) (6)
(1) ـ أي فليفعل بثوبه هكذا ، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم .
(2) ـ أي هاتوا لي عبيرًا . والعَبير ـ مثلُه الخَلوقُ الآتي ذكره بعد قليل ـ أنواعٌ من الطيب تُجمع وتُخلط بالزعفران .
(3) ـ أي يسعى ويعدو عدوًا شديدًا .
(4) ـ أي على رأس العود الذي كان بيده صلى الله عليه وسلم .
(5) ـ أي مسحَ به أثر النخامة ليُزيل الطيِّبُ الخبيثَ .
(6) ـ في هذا الحديث الشريف من الأمور التعليمية:
إعادةُ الكلمة ثلاثًا ، لتَبْلُغَ من نفوس المخاطبين كلَّ مبلغ .
وفيه: البيان بالفعل ، ليكون أوقع في نفس السامع ، وليكون أوضح دلالةً على ما يُرادُ تعليمُه .
وفيه: عِظَمُ تواضع الرسول صلى الله عليه وسلم ، إذ باشَرَ حكَّ النخامة بنفسه .
وفيه: تقبيحُ المنكر باللسان .
وفيه إزالة المنكر باليد لمن قَدَر عليه .
وفيه من الفقه والأحكام الشرعية الاجتماعية:
طلَبُ إزالة ما يُستقذَرُ أو يُتنزَّه عنه ، من المسجد .
وفيه: تعظيمُ المساجد وصيانتُها من كل ما يكدِّرُها من الأوساخ ونحوها .
وفيه: أن البزاق والمخاط والنخامة ـ على تقزُّر النفوس منها ـ طاهرة ، بدليل أن الرسول صلى الله عليه وسلم تَفَل في ثوبه وأراهم كيف يفعل من بادَرَه وغلَبَه البصاق .
وفيه: أن البصاق في الصلاة لا يبطل الصلاة ، وكذا التنخُّم ، إن لم يتبين منه حَرْفانِ أو كان مغلوبًا عليه .
وفيه: احترامُ جهة القِبلة وتعظيمها .
وفيه: أنه إذا بزَقَ يبزق عن يساره ، ولا يبزق أمامه للقبلة تشريفًا للقبلة ، ولا عن يمينه تشريفًا لليمين ولو كان خارج الصلاة، وإنما يبزق عن يساره ما لم يكن مانع ، فعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: ما بصقتُ عن يميني منذ أسلمت .
وفيه: أن التحسين أو التقبيح إنما هو بالشرع ، فإن جهة اليمين مفضلة على اليسار ، وإن اليد مفضلة على القدم ، وإن يوم الجمعة مفضل على سواه . وأخطأ أبو الطيب المتنبي إذ جعَلَ ذلك التفضيلَ من باب الجَدّ والحظّ ، لا من باب الشرع والنقل فقال:
هو الجَدُّ حتى تَفضُلُ العينُ أختَها وحتى يكونَ اليومُ لليومِ سيِّدا
وفيه: الحثُّ على الاستكثار من الحسنات وإن كان صاحبها مَلِيًّا ، لكون النبي صلى اللهعليه وسلم ـ هو سيد الأنبياء والمتقين ـ باشر الحكَّ بنفسه صلوات الله وسلامه عليه .
وفيه: مشروعيةُ تطييب المساجد .
وفيه: تفقُّدُ الإمام الأعظم حالَ المساجد وتعهدُها . وهي حَرِيّةٌ بالتعهد والعنايةِ كلَّ العناية من إمام المسلمين ، لأنها مجامع المسلمين ، ومواطن عبادتهم ، ومدارس تعليمهم وثقافتهم ، ومنتداهم ومجلس شوراهم ، ومركز قيادتهم ، ومنطلق جيوشهم ، وموئل لقائهم ، ومتعلَّقُ قلوبهم وأفئدتهم ، وملتقى الوفود لديهم ... فما أحراها بالتفقد والاهتمام . ... ...