فهرس الكتاب
فقلتُ: واثُكْلَ أُمِّياه (1) ! ما شأنُكم تنظرون إليَّ؟! فجعلوا يَضربون بأيديهم على أفخاذهم ، فلما رأيتُهم يُصمِّتونني سكَتُّ .
فلما صلّى رسول الله صلى الله عليه وسلم دَعاني ، فبأبي هو وأُمّي (2) ، ما رأيتُ مُعلِّمًا قبلَه ولا بعدَه أحسنَ تعليمًا منه ، فوالله ما كَهَرني (3) ، ولا ضربني ، ولا شَتَمني (4) ، قال: إنَّ هذه الصلاة لا يَصْلُحُ فيها شيء من كلام الناس ، إنما هو التسبيح ، والتكبير ، وقراءة القرآن )) (5)
(1) ـ وا: حَرْفٌ للنُّدبة والحسرة . والثُّكل: فِقدانُ المرأةِ ولَدَها . وأُمِّياه بضم الهمزة وكسر الميم المشددة ، بعدها ياء ثم ألف ثم هاء ساكنة للسكت . وهي: نَدْبُ أُمّي ، بياء المتكلم ، قتُقلَبُ الياء ألفًا لمدّ الصوت وتلحقها هاء السكت ، فيقال: يا أُمّاه . وقد يُجمع بين الألف والياء فيقال: يا أُمِّيَاه ، كما هنا . للمبالغة في الندب والتحسُّر . والمعنى: وا فَقْدَ أُمّي إيايَ فإني هلكتُ! أي ما أعظَمَ مُصابَ أمي بي فقد هلكتُ وفَقَدَتْني!
(2) ـ أي أَفديه بأبي وأمي .
(3) ـ أي ما نَهَرني .
(4) ـ أي ما سبَّني ولا عابني .
(5) ـ ولفظُ رواية الإمام أحمد في (( المسند ) )5: 448 (( إنما هي التسبيحُ ، والتكبيرُ ، والتحميدُ ، وقراءة القرآن ) ). يعني أن الذي يقال في الصلاة هو هذا: التكبير ، وحمدُ الله والثناء عليه ، وقراءة القرآن ، والتسبيح ، والتشهد ، والدعاء ، كما وردت فيها الأحاديث أيضًا . وأما ما سوى ذلك من كلام الناس فيُمنع منه في الصلاة ، فلا يجوز فيها تشميتٌ لعاطس ، ولا رَدُّ سلام لمسلم ، ولا جوابُ سؤال لسائل ، إذ كلُّ ذلك من الكلام المبطِل للصلاة .
قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في (( شرح صحيح مسلم ) )5: 20 تعليقًا على هذا الحديث الشريف: (( وفيه بيانُ ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، من عظيم الخُلُق الذي شَهِدَ الله تعالى له به ، ومن رِفْقِهِ بالجاهل ، ورَأفتِهِ بأمته وشفقته عليهم . وفيه التخلُّقُ بخُلُقه صلى الله عليه وسلم في الرفق بالجاهل ، وحُسْنِ تعليمه ، واللطفِ به ، وتقريب الصواب إليه ) ).