فهرس الكتاب

الصفحة 78 من 174

قال: صَدَقتَ ، قال ـ عمر: فعَجِبنا له يَسألُه ويُصَدِّقُه (1) .

قال: فأَخبِرْني عن الإيمان ، قال: أن تؤمِن بالله ، وملائكتِه ، وكُتُبِه ، ورُسِله ، واليومِ الآخِرِ ، وتُؤمِنَ بالقدرِ خيرِهِ وشرِّه . قال: صَدَقتَ .

قال: فأخبِرْني عن الإحسانِ ، قال: أن تَعبُدَ الله كأنك تَراه ، فإن لم تكن تَراهُ فإنه يَراك (2)

(1) ـ وجهُ التعجُّب ان السُّؤالَ يَقتضي ـ في الغالب ـ الجهلَ بالمَسؤول عنه ، والتصديقُ يقتضي علمَ السائلِ به ، ومما يزيدُ في التعجُّب أن ما أجابه صلى الله عليه وسلم لا يُعرَف إلاّ من جهتِه ، وليس هذا الرجلُ ممن عُرِف بلقائِه صلى الله عليه وسلم فضلًا عن سماعِه منه .

وفي بعض روايات حديث جبريل: (( ما رأينا رجلًا مثلَ هذا ، كأنه يُعلِّم رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ، يقولُ له: صَدَقتَ صَدَقتَ ) ).

(2) ـ قال الإمام النووي في (( شرح صحيح مسلم ) )1:157 ـ 158 و (( شرح صحيح البخاري ) )ص 245 ـ 246: (( لو قَدَّرنا أن أحدَنا قام في عبادةٍ وهو يُعاينُ ربَّه سبحانه وتعالى لم يَترُك شيئًا مما يَقدِرُ عليه من الخُضوعِ والخُشوعِ ، وحُسنِ السَّمْتِ ، واجتماعِه بظاهِرِه =

= وباطنِه على الاعتناء بتَتْميمِها على أحسنِ وُجوهِها إلاّ أتى به ، فقال صلى الله عليه وسلم:

اعبُد اللهَ في جميع أحوالك كعبادتِكَ في حال العِيان ، فإن التتميمَ المذكورَ في حال العِيان إنما كان لعلم العبدِ باطّلاع الله سبحانه وتعالى عليه ، فلا يُقدِمُ العبد على تقصيرٍ في هذه الحال للاطلاع عليه ، وهذا المعنى موجودٌ مع عدم رؤيةِ العبد ، فينبغي أن يَعمَل بمُقتضاه .

فمَقصودُ الكلام الحثُّ على الإخلاص في العبادةِ ومُراقَبةِ ربِّه تبارك وتعالى في إتمام الخُشوع والخُضوعِ وغير ذلك ، وقد نَدَبَ أهلُ الحقائق إلى مُجالَسةِ الصالحين ، ليكون ذلك مانعًا من تلبُّسِه بشيء من النقائصِ احترامًا لهم واستِحياءً منهم ، فكيف بمن لا يَزالُ الله تعالى مُطَّلِعًا عليه في سِرِّه وعلانيتِه؟!

فحاصلُ معنى الحديث أنك إنما تُراعي الآداب المذكورةَ إذا كنتَ تَراه ويَراك ، لكونِه يراكَ ، لا لكونك تراه ، فهو دائمًا يَراك ، فأحسِنْ عبادتَه ، وغن لم تَرَه ، فتقديرُ الحديث: فإن لم تكن تَراه فاستَمِرَّ على إحسان العبادة ، فإنه يَراك )) .

قال: (( وهذا القدرُ من الحديث أصلٌ عظيم من أصولِ الدين ، وقاعدةٌ مهمةٌ من قواعد المسلمين ، وهو عُمدةُ الصِّدّيقين ، وبُغيةُ السالكين ، وكنزُ العارفين ، ودأبُ الصالحين ، وهو من جوامع الكَلِم التي أوتِيَها النبي صلى الله عليه وسلم ) ).

انتهى مُلخَّصًا مع زيادة يسيرة من (( فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ) )1:482 ـ 483 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت