فهرس الكتاب
، فحدِّثوني ما هي؟
قال عبد الله: فوقَعَ الناسُ في شَجَر البَوادي ، فقال القوم: هي شَجَرةُ كذا ، هي شجرةُ كذا ، ووَقَع في نَفْسي أنَّها النَّخلة ، فجَعَلْتُ أُريدُ أن أقولَها ، فإذا أَسنانُ القوم ، فأهابُ أن أتكلَّم وأنا غلامٌ شابّ ، ثم التَفَتُّ فإذا أنا عاشِرُ عَشْرٍ أنا أَحدَثُهم أصغَرُ القوم ، ورأيتُ أبا بكر وعمر لا يَتكلَّمان ، فسَكَتُّ .
فلما لم يتكلَّما ، قالوا: حدِّثنا ما هِيَ يا رسول الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هي النَّخلة .
فلما قُمنا قُلتُ لعمر أبي: واللهِ يا أبَتاهُ ، لقد كان وَقَع في نفسي أنها النخلة ، فقال: ما منَعَك أن تقولَها؟ قلتُ: لم أرَكم تتكلَّمون ، لم أرَكَ ولا أبا بكر تكلَّمتُما ، وأنا غلامٌ شابّ ، فاستَحيَيْتُ ، فَكرِهتُ أن أتكلَّم أو أقولَ شيئًا ، فسكتُّ . قال عمر: لأن تكون قُلتَها أحبُّ إليَّ من أن يكونَ لي كذا وكذا )) (1)
(1) ـ رواه البخاري في أحد عشر موضعًا في (( صحيحه ) )، وانا أُشيرُ إليها مع ذكر عناوين الأبواب التي رواه فيها ، لأن تلك العناوين تُعَدُّ بمثابةِ شرحٍ وجيزٍ لمعاني الحديث .
رواه في أربعة مواضع من كتاب العِلْم ، في (باب قول المحدِّث: حدَّثَنا وأخبَرَنا وانبَأَنا) 1:133 ، وفي (باب طَرْح الإمام المسألة على أصحابه ليَختَبِرَ ما عندهم من العلم) 1:136 ، وفي (باب الفَهْم في العلم) 1:151 ، وفي (باب الحياء في العلم) 1:203 . وفي كتاب البيوع ، في (باب بَيْع الجُمّارِ وأكْلِه) 4:337 . وفي كتاب التفسير ، في (تفسير سورة إبراهيم) 8:286 . وفي موضعين من كتاب الاطعمة ، في (باب أكْلِ الجُمّار) 9:492 ، وفي (باب بركةِ النخلة) 9:495 . وفي ثلاثة مواضع من كتاب الادَب ، في (باب ما لا يُسْتَحْيى من الحقّ للتفقُّه في الدين) 10:435 ، ورواه مرةً أخرى فيه بلفظ آخر ، وفي (باب إكرام الكبير ، ويَبدأُ بالأكبر بالكلامِ والسُّؤال) 10:443 .
ورواه مسلم في (( صحيحه ) )من خمس طرق ، في أواخر (كتاب صِفَةِ القيامة والجنّةِ والنار) ، قبلَ (كتاب الجنة وصِفَةِ نعيمها واهلها) 17:153 ـ 155 . وبوَّب عليه الإمامُ النووي في (( شرح صحيح مسلم ) )بقوله: (باب مَثَلِ المُؤمِنِ مَثَلُ النَّخلة) .
وقد جَمَعْتُ في الرواية المذكورة هنا بين رواياتِ البخاري ومسلم ، لاستيفاء ما فيها من المعاني لهذا الحديث الكريم .
ورواه غيرُ البخاري ومسلم من أصحاب (( الكتب الستة ) )، والإمامُ أحمد في (( المسند ) )، وغيرُه من المحدِّثين .
وهو حديثٌ جليلُ القدر ، غزيرُ العلم ، كبيرُ الصلة بالتعليم وأسبابه وقد جَمَعْتُ رواياتِه من تلك الكتب أيضًا ، وشرحتُه مستقلًا في محاضرة عامّة ، ألقيتها في الرباط بالمغرب الأقصى في رمضان سنة 1387 ، بدعوة من عاهل المغرب الحسن الثاني ، أرجو من الله تعالى تيسير نَشْرِها للناس .
وقد رأيتَ فيما تقدَّم أن الإمام البخاري رحمه الله تعالى رواه في (( صحيحه ) )في أحد عشر موضعًا .
قال الصَّديق المفضال العلاّمة الأريب الأديب والداعيةُ الكبير الشيخ أبو الحسن الحَسَني النَّدْوي حفظه الله تعالى ، في (تقديمه) لكتاب (( الأبواب والتراجم للبخاري ) )لشيخنا الحافظ المحدِّث الكبير مولانا محمد زكريا الكانْدهْلَوي رحمه الله تعالى:
(( اشتَهر بين العلماء أنَّ فِقْهَ البخاري في(تراجم صحيحه) ، ولتنوُّع مقاصد الإمام البخاري ، وبُعْدِ مَراميه ، وفَرْطِ ذكائه ، وحِدّةِ ذهنه ، وتعمُّقِه في فهم الحديث ، وحِرصِه على الاستفادة والإفادة منه أكبرَ استفادةٍ ممكنة: أورَدَ الحديثَ الواحدَ في مواضع كثيرة في أبواب متنوِّعةِ العنوانِ ، والمعنى ، والموضوع ، فهو كنَخْلَةٍ حريصة تَوّاقة ، تَجتهدُ أن تتََشرَّب من الزهرة آخِرَ قطرةٍ من الرَّحيق ، ثم تُحوِّلُها إلى عَسَلٍ مُصَفّىً فيه شِفاء للناس .
وشأنُ الإمامِ البخاري مع الحديث النبوي الصحيح: شأنُ العاشِقِ الصادق ، والمحبِّ الوامِق ، مع الحبيبِ الذي أَسبغ الله عليه نعمةَ الجمال والكمال ، وكساه ثوبًا من الرَّوعة والجلال ، فهو لا يكاد يَملأ عينيه منه ، وهو كلما نَظَر إليه اكتَشَف جديدًا من آيات جماله ، فازداد افتتانًا وهُيامًا ، ورأى جمالَه يَتجدَّدُ في كل حين .
ولذلك نَرى الإمام البخاري ، لا يكاد يَشبع من استخراجِ المسائلِ ، واستنباطِ الفوائد ، والنزولِ إلى أعماق الحديث ، والتقاط الدُّرَر منه ، والخروجِ على قُرّائه بها ، حتى يَذكُرَ حديثًا واحدًا أكثرَ من عشرين مرة .
وقد روى (حديثَ بَريرَة عن عائشة) أكثرَ من اثنتين وعشرين مرة ، واستخراج منه أحكامًا وفوائدَ جديدة .
وروى (حديث جابر قال: كنتُ مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة ، فأبطأَ بي جَمَلي وأَعْيا ...) الحديث ، أكثرَ من عشرين مرة .
وروى (حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى طعامًا من يهودي إلى أجل ، ورَهَنهُ دِرْعًا من حَديد) في أحدَ عشَرَ موضعًا ، وعَقَدَ له أبوابًا وتراجمَ لها .
وروى حديثَ ابن عمر: إنَّ من الشَّجَر شَجَرةً لا يَسقُطُ وَرَقُها ...) الحديث ـ في أحد عشر موضعًا ـ واستخراج منها فوائد جديدة .
وسِرُّ ذلك أن الإمام البخاري لا يقتصر على ما يَتَبادَرُ إليه الذهنُ من الأحكام الفقهية المستخرجة من الاحاديث ، شأنَ أقرانِهِ ومن سَبَقَه من المؤلِّفين في علم الحديث والفقه ، بل يَستخرِجُ من الاحاديث فوائدَ عِلمية وعَمَلِيّة ، لا تَدخُلُ تحت باب من أبواب الفقه المعروفة ، رحمه الله تعالى )) . انتهى ملخصًا .
وأُشيرُ هنا إلى جُلِّ ما يُؤخَذ من هذا الحديث الشريف من الأمور التعليمية:
استحبابُ إلقاءِ العالم المسألة على أصحابه ، ليَختَبِرَ أفهامَهم ، ويُرغِّبَهم في الفِكر والاعتناء ، مع بيانِه لهم ما خفي عليهم إن لم يفهموه .
التحريضُ على الفهم في العلم .
ضَرْبُ الأمثالِ والأشباه ، لزيادةِ الإفهام وتصويرِ المعاني لتَرْسُخ في الذهن ، ولتحديدِ الفكر في النظر في حكم الحادثة .
أنَّ تشبيه الشيء بالشيء ، لا يَلزَمُ منه أن يكون نظيرَه من جميع وجوهه ، فإنَّ المؤمن لا يُماثِلُه شيء من الجَمادات ولا يُعادِلُه .
استحبابُ الحياء ما لم يؤدِّ إلى تفويتِ مصلحة ، ولهذا تمنّى عمرُ أن يكون ابنُه لم يَسكت .
توقيرُ الكبير ، وتقديمُ الصغير أباه في القول ، وأنه لا يُبادِرُه بما فَهِمَه ، وإن ظَنَّ أنه الصواب . =
أنَّ العالِمَ الكبير قد يَخفى عليه بعضُ ما يُدركه من هو دونه ، لأن العلم مَواهب ، واللهُ يُؤتي فضله منْ يَشاءُ .
ما استَدلَّ به الإمام مالك رضي الله عنه ، على أن الخواطر التي تقع في القلب ، من مَحبَّةِ الثناء على أعمالِ الخير ، لا يُقْدَحُ فيها إذا كان أصلُها لله تعالى وذلك مُستفاد من تمنّي سيدنا عمر رضي الله عنه أن يكون ابنُه قد قال ما فَهِمَهُ ووقَعَ في نفسه من الصواب .
ووَجْهُ تمنّي عمر رضي الله عنه: ما طُبِعَ الإنسانُ عليه من مَحبّةِ الخير لنفسه ولوَلَدِه ، ولِتَظهَرَ فضيلةُ الولد في الفَهْم من صِغَره ، وليزدادَ من النبي صلى الله عليه وسلم حُظوة ، ولعله كان يرجو أن يَدعوَ له رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إذْ ذاك بالفهم ، كما دعا صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عباس ، لمّا أَدْنى إليه الماءَ إلى بيت الخلاء ، مِن تلقاءِ نفسه دون سابق إشارةٍ منه صلى الله عليه وسلم ، فقال: (( اللهم فَقِّهْهُ في الدّين وعَلِّمْه التأويل ) ). فكان رضي الله عنه كذلك .
فَرَحُ الرجل بإصابةِ ولدِهِ وتوفيقِهِ للصواب .
الإشارةُ إلى حَقارةِ الدنيا في عينِ عمر رضي الله عنه ، لأنه قابل فَهْمَ ابنه لمسألةٍ واحدة بحُمُرِ النَّعَم ـ كما جاء في رواية ـ ، مع عِظَمِ قَدْرِها وغلاءِ ثمنها .
أنه لا يُكْرَهُ للوَلَد أن يُجيب بما عَرَف في حضرةِ أبيه ، وإن لم يَعرفه الأبُّ ، وليس في ذلك إساءةُ أدبٍ عليه .
ما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم من الحياءِ من أكابرهم وأَجِلاّئِهم ، وإمساكُهم عن الكلام بين أيديهم .
وقد أورد الإمامُ ابن فَرْحون هذا الحديث الشريف في كتابه: (( دُرَّةُ الغَوّاص في مُحاضرة الخَواصّ ) )ـ وهو المعروف بأَلغاز ابن فرحون ـ ، ثم قال: (( قال العلماء: وفي هذا الحديثِ دليلٌ على أنه ينبغي للعالم أن يُميِّز أصحابَه بإلغازِ المسائل العَويصات عليهم ، لِيَختبِرَ أذهانَهم ، في كشف المُعْضِلات وإيضاح المُشْكِلات .
وهذا النوع سَمَّتْهُ الفقهاءُ: الإلغاز ، وأهلُ الفرائض سَمّوه: المُعاياة ، والنحاةُ يُسمّونه: الأَحاجِيَّ ، وقد ألَّف العلماء في ذلك تصانيف عديدة )) . انتهى من (( التراتيب الإدارية ) )2:232 لشيخنا محدِّث المغرب عبد الحي الكَتّاني رحمه الله تعالى . ...