فانظر كيف ذلك التشجيع العملي من الرسول - صلى الله عليه وسلم - للمجتمع على تقبل ذلك المعاقب بعد أن طُهر من جرمه بإقامة الحد عليه، وقد يرد هنا تساؤل لماذا لم يؤويه ولي الأمر وهو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طالما أن ذلك أمر مرغوب ومرغب فيه في الشريعة الإسلامية، والإجابة هنا ظاهرة وهي أنه لو قام عليه الصلاة والسلام بذلك الفعل فقد يرد توهم لدي أفراد المجتمع أن ذلك الفعل يلزم ولي الأمر دون غيره من الناس، بخلاف ما لو قام به أفراد المجتمع أنفسهم، فهو ادعى لانتشار التراحم بين الناس وتقديم ما يناسب المعاقب من رعاية لاحقة وبخاصة وان الوقت كان وقت تشريع أثناء حياته - صلى الله عليه وسلم - .
وحدث في عهد عمر رضي الله عنه أنه أقام حد الزنا على امرأة من أهل اليمن كانوا قادمين للحج، فلما جلدها مائة جلدة أمر أهل القافلة أن يحملوها معهم بعد أن تركوها، وليس هذا فحسب، بل أمرهم ألا يذكروا لأهل اليمن ما فعلت تلك المرأة خلال سفرها [1] ، ولا شك أنه بفعله ذلك يجعل مجتمعها في اليمن يتقبلها وتتعايش معه بعد تطهيرها دونما علم بما حدث منها خلال سفرها، بخلاف ما لو علموا بفعلتها فقد ينبذها مجتمعها القبلي ويعيرها وفي ذلك دفع للعود للانحراف من جديد .
بل إن عمر رضي الله عنه صرح بذلك في حادثة أخرى بقوله: (( ... لا تعيروا أحدا فيفشوا فيكم البلاء ... ) ). وسيرد أسباب تلك المقولة في مناسبتها عند الحديث عن القسم الرابع من أقسام الرعاية اللاحقة في التراث الإسلامي .
(1) المصنف ، مرجع سابق ، ج 7 ، ص 405 .