فهرس الكتاب

الصفحة 804 من 2118

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين؛ محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، اللَّهُمَّ علِّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علَّمتنا، وزدنا علمًا وهدىً يا ربَّ العالمين، واهدنا لما اختُلِف فيه من الحقِّ بإذنك، إنَّك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم، اللَّهُمَّ وفقنا لهداك واجعل عملنا في رضاك، وثبِّتنا على الصِّراط المستقيم حتَّى نلقاك، وتوفَّنا وأنت راضٍ عنَّا يا ذا الجلال والإكرام، يا حيُّ يا قيُّوم، أمَّا بعد:

فإنَّ المسائل الاقتصادية وما يتعلَّق بها من موضوعات وحقوقٍ، تشغل حيِّزًا كبيرًا من حياة البشر وتفكيرهم في كلِّ عصر ومصر، ذلك أنَّ أكثر مشكلات البشرية التي تُؤلمها، وتؤثِّر في نَمَط حياتها وسلوكها ومعيشتها، مشكلات اقتصادية؛ من فقرٍ ومجاعةٍ، إلى استغلال واستبداد، واحتكارٍ وغَلاَءٍ، إلى سوء توزيعٍ للموارد والإنتاج، إلى غِشٍّ وخِدَاعٍ وسَلْبٍ ونَهْبٍ، تُؤَثِّر جميعها في حياة الأُمم والأفراد، والمنتجين والمستهلكين على السواء.

ويُعَدُّ موضوع المِلْكِيَّة من أهمِّ المسائل المؤثِّرة في حياة الناس، بل وفي الاقتصاد البشري، وهو مع ذلك من أهمِّ حقوق الإنسان؛ لأنَّ الملكية ظاهرة من ظواهر المجتمع البشري، وغريزة من غرائز الإنسان التي وُجدت منذ فجر التاريخ مع وجود الإنسان، وإن اختلفت مفاهيمها ووسائلها ونظمها، باختلاف الشعوب والأمم، وهي تُعبِّر عن غريزة الاستئثار والحيازة وحُبِّ الغِنى لدى الإنسان (1) .

والملكية تتعلَّق بالضرورات الخمس التي أجمعت الشرائع السماوية قاطبة على حفظها في كلِّ رسالة وعهدٍ من عهود البشرية المتتابعة، وتتابع الأنبياء والرسل كلُّهم على التأكيد على حفظها، والأمر برعايتها، وبيان كلِّ ما من شأنه أن يحافظ عليها، ويُقِيمَ أركانها، ويُثَبِّت دعائمها وأصولها؛ وهي: الدين، والنفس، والعقل، والعرض، والمال (2) .

ولذا جعل الإسلام التراضي أساسًا لجميع المبادلات المالية، وجعل حُرِّيَّة المُتَصَرِّف ورضاه واختياره أساسًا لكلِّ تعاملٍ ماديٍّ، وقرينةً لصحَّه نفاذه (3) .

قال الله عزَّ وجلَّ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَاكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلاَ تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} (4) .

ونظرًا لما لموضوع الملكية من أهميَّة كبرى في حياة الأمم والأفراد، وتنمية الاقتصاد البشري، وزيادة الثروات، كان محلاًّ لأطروحات علميَّة متميِّزة؛ من أهمِّها: رسالة الدكتور: عبد السلام بن داود العبادي، بعنوان: (الملكية في

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت