الناس يَرْونَه مبعثرًا تارة. ومزحومًا مضغوطًا بدمه الحار كزيت النفط تارة أخرى. شيء ما يسحَقُه. يغلي. يفور كقدر. رجل أعمى يمشي دون أن يُبصر شيئًا. عيناه في قبة رأسه. نظرُه دوماُ نحو الأعلى. سمّوه بالشارد. هو شارد عنهم، بواديه المشتعل.
يزفر أنفاسًا لاهجة. كأن ينفث نارًا. يدوّم. يصنع دوائر. تلتفُ حوله حلقات. تضطرب فجوات في الحلوق:
هذا رجل معلول. علتُه خيالُه. يسير ورأسُه في الفضاء. يسير غائمًا عائمًا. رجل نسيج وحده له عالَمُهُ.
…في الليل:
الأخيلة والتصاوير تتكور نافرة. من إحدى زوايا ذهن الرجل كطيور حبيسة. تسطع حزمًا، وموجاتٍ. تجتاز مسافات، تخترق تلالًا...
هي مازالت غزالة شمّاء تهذب في براري فصولها.
هو ما زال يهيم ليقبِضَ عليها.
ولكن تبقى محاولاتُه كقبض الريح. المرأة تنوس كبؤرة، وتنفلت كَسَراب. لتلوح من جديد ببريق آخّاذٍ من خلف شغاف القلب. ترنو. تغمز. وتبتسم. تكشف عن لؤلؤِ أسنانها. ونُثارٌ من الحناء والعسجد يُضيء سماءً من أثير.
الرجل المبهور من شدة الضياء يهيم ملفوحًا وهو مغمض العينين: تهدهده الأحلام والمخايل. يثابر، ويتوغل في دغل المرأة. يجتاحه اخضرار يانع. ثمةَ فردوسٌ ينتظره. فليعبرْ مفاوز الخرائب. ويقطعْ كثبان الصحارى. غاذًّا الركض -الطيران. تحت مياسم شوق فتّان... وتبقى خيولٌ مسرعةٌ تصهل في دمه إلى وقت...
ولكن الشبح الساحر ينأى. بعد أن يقترب. ويكون نجمة تخفق في علالي الأفق.
…مقابلة:
بعد أن شَهَقَ الظلام آخر لهاثه. بأعلى صوتٍ تنطُقُ به شرايينُ الرجل نادى: قفي أيتها المرأة. حرام. مازلت أركض تفدّعت قوائمي. وتقطّعت أوصالي...
وانساب صوت الرجل حنونًا مثل زخة مطر هائمة.
المرأة وقفت -أو كأن وقفت-
سكن الرجل. جالت عيناه في محجريهما، وحين همّ أن يقاربها شعر بارتجاف. خَدِرَ. بل أخذ يتخمّر. وينشحن كوقدة.
جالسته كنخلة من نور. امتلأها وراح يصوّرُها وهي في فتنة كنوزها:
العينان منسوجتان من لون البحر. الوجه مغسول بماء البدر. النفس مشبع من أريج الحبق والنرجس...
ناوشها بآهاته المتكسّرة. أشرقت في روحه كصباحاتٍ من الورد والعقيق. ففار ماعون اللغة. وطفقت الكلمات تتناثر ظلالًا وألوانًا، ترتسم صورًا عطشى، كطيورٍ خرافية، في بيداء!
لقد امّحى عند الرجل كل شيء في الراهن، تجاه من ساكنت دمه بهاءً وندىً؛ إلا لغته المتأجّجة، فليرزم، ويزمزم....