فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 38

- (( لا.. لا.لا ) ). ردّ بعصبية مقاتلة... تذكر أن فنجان القهوة. كان دومًا يرافقه مع كتابهِ وقلمهِ. وهو الأقنوم الثالث له حين يكتب؛ كأن ماءه البني هو الحبر الحقيقي، الذي ينثال على الورق بيانًا وسحرًا. يأخذ الرشفة، ويحس أنه صار يخفّ ويشفّ مع جدائل البخار المتصاعدة، كروح رهيفة. تريد أن تملأ فضاء الغرفة.

وحين يتمطق لسانه بالمذاق، الذي لا أزكى، ولا أطيبَ. يذوب في بحر عالمه الفني. فيفيض ذهنه بالرؤى والأخيلة، وشتى التصاوير.

- (( القهوة سيدة المشروبات، التي اكتشفها الإنسان ) )!/ وليتكلم عنها في أثناء عمليات الخلق الأدبي...

أما الآن. فليعزف عنها طالما أن أدواتِ إبداعه معطلةٌ. وطالما هو محبوس في قفصه الجسدي. عفوًا في قفص عماه...

تكرر المرأة: (( فنجانُ قهوة يهدئ أعصابك ) ).

- (( لا شيء يهدئ أعصابَ من كان مثلي. أصبحت صقيعًا، أيتها المرأة. أنا ضرير ) )./ نطق بوجع مدمى. كالذي أتى توًا من مقبرة. ثم تابع: (( ولكن أنا ضرير من نوع خاص، من نوع الصفر. لا من نوع العميان العباقرة المعروفين، الذين يشاهدون العالم من داخلهم. وَيَرَوْنه بعيون صدورهم... اييه! أنا أعمى صفر. لم يبق لي في حياتي إلا مخيلتي ) ).../ ثم سكت بأسى. وطفق يصيخ سمعه إلى الصوت المذبوح، في المسجل...

شاعر.. وامرأة.. وقصيدة

…حالة:

لا يدري كيف انشق فجر ليله. هالة من الحسن والجمال تعبّأته. انسكبت، كهيولى في فضائه. وراحت تغزل كغراف من نور خالص:

هأنذا، أتيت فزد في احتراقك.

لشد ما ابتهج في داخله حين سمع صوتها الندي. ورأى شهاب طلتها بعينيه. صار كالمأخوذ. حسب يديه جناحين. وجسمَه لا شيء. وهوّم طائرًا. جاب المدن. وعبر الفيافي. أين غادرت؟

في الحقيقة هذه العصية الشقية. المشاكسة دومًا. لم ترضخ. ولم يعرف قلبها الرحمة. كم توسل لتأتيَه وتملأَه سعادة وفرحًا وشعرًا. الآن تأتيه في محاق الليل. وتقول له: احترق. ثم تغادر.

لكم اضطرم واحترق حتى صار كالهويس. يُصلى ويُشوى. وهي تظل قصية عن رهيج بخوره. تَريشه من بعيد بنبال غوايتها!

هو يحلّق بطائره. بل يلهُبُ ويزداد طيرانًا. علّ أنثاه تلك تلوح في شمس عتمته. ويدخل واحاتها المتخمةَ بالسحر والأساطير. ثم تنفجر حالة ما من الانصهار والذوبان. تتخصّب اندغامًا ووجدًا في عذوبة اللقيا وروعة الانتشاء.

…في النهار

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت