فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 38

دبّ قليلًا بالعصا، في أرض الغرفة، اصطدم بخزانة ثيابه. تذكّر كم مرة صمد قامته المديدة، أمام مرآة الخزانة. وراح يستعرض علاقته معها حين كان لا يغادر المنزل. إلا بعد أن يودّعَها بوقفة حميمة. يشاهد فيها طلعته المهيبة. قيافَته المناسبةَ لكاتب، له اسم في سجلّ (البلد) الأدبي: الرأس الذي يغمره شعر غزير مخلوط بالأسود والأبيض. الوجه الممتلئ المغضّن، الذي حفرت فيه همومُ الكتابة، ومخاضاتُ الإبداع أثلامًا عميقة....

ولكم اعتدّ بهيئته هذه. حين كان يرف شاربه اعتزازًا: (( الأديب الذي لا تترك فيه عناءات الأدب آثارًا. ليس بأديب ) ). /كان يتمتم مقولته الحكيمة تلك. ويليح برأسه الكبير.

هذه المرةَ طال وقوفه بجانب المرآة. أيحطمها بالعصا، أم يشدُّ شعره؟!...! لشد ما هصر قلبه دمًا حين لاحت له صورة وجهه في مرآته الداخلية. وهي تبرق بتينك العينين السوداوين الواسعتين. تسطعان كنجمتي صبح. مدّ يده إلى مكانهما، في أعلى وجهه. لقد غارتا تحت أصابعه، واندملت حفرتاهما بسمال الجلد والشعر. تمتم: (( هذا فعل(الساد) . فعل الماء الزرقاء. الماء السوداء. فعلُ كل أمراض العيون، التي انصّبتْ عليهما مع التعاويذ؛ عندما كنت صغيرًا... آه.. ولكن، بعد أن كبرت كنت أنا السبب. أنا الحاسد. وأنا المرض نفسه. لقد استعملتهما كثيرًا... كثيرًا... خمسَ عشرةَ ساعةً، في اليوم لا تكفي في القراءة والكتابة؛ أهذا عدل ))؟

لم يبرئ الرجل ذمته، تجاه عينيه. كان عليه أن يرحمهما ويخففَ من استخدامهما ما أمكن.

على كل حال. همّ أن يحرك جثته المنتصبة أمام الخزانة. ولكنه لم يدرِ إلى آية جهة يتجه؟

- (( أيتها المرأة. افتحي لي الباب. يكاد يغمي علي ) ).

ولما سمع صرير الباب مشى. غير أن عصاه لم تر الكرسي. فتعثر به.

- (( قلتُ لكَ: لا تخرج دوني.أ.أ... أرغب في أن تبقى هنا الآن. الهواء في الخارج نار ) ).

- (( أف من حياتي هذه! في الداخل نار. وفي الخارج نار ) ). /تذمّر وتابع:

- (( إذن أرجعيني إلى أريكتي. وضعي شريط المسجل ) ).

وانطلق حديث أدبي. كان يدور عن ندوة أدبية، بين ثلاثة نقاد. تكلموا عن القصة القصيرة. وسمع اسمه. لم يعد يعي ما ذُكِرَ عن دوره، في القصة. صرخ: (( أوقفي المسجل ) ).

وعقدةٌ بين حاجبيه لا تفكّ!

لبّتِ المرأة طلبه، بروح طيبة. ثم قالت: (( أتريد قهوة )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت