هي تتراخص له في كثير من الأحيان. لا بأس. فليندب حظه العاثر بهذا المصاب، الذي ألمّ به، وليجرّبْ أبجديات البكاء؛ (( يا لخسارتي التي لا تعوّض! خسارةُ النظر لا تعوّض. العين لدى الإنسان تساوي كل شيء في حياته. بل هي جوهر حياته... ) ).
حقيقة، لم يجانبِ الصوابُ الرجلَ، فبالنظر، أو بالعين -على حدّ تعبيره- تعرّف الإنسان إلى هذا العالم. وتصالح مع مخلوقاته. وطوّر حياتَه. درس. وكتب. وقرأ. و....
الرجل يعرف كثيرًا من هذه الأفكار السليمة، من خلال سني حياته الخصبة جدًا...
لاحت ومضة فوضى في أفق ذهنهِ. تنّهد. بل نهض بعصبية. وظلّت ألياف جسمه تهتز إلى فترة (( فقدانُ النظر أمر فظيع للمرء في حياته. و.... ) ).
ظلّ يرغي ويزبد. كأنه يشاطئ بحرًا من الغضب!
أجابته المرأة. وأجلسته ثانية، في مكانه. وثمةَ إشفاقٌ يتقرى وجهها المؤطر بعصابة:"إن كنتَ فقدتَ نظرك فاحمدِ الله، أنك لم تفقد عقلك. فدماغك ما زال معافىً في جمجمتك. تفكر به جيدًا. وتدرك الأشياء.. و... )) ."
قاطعها بعنف. ومازال يرتجف: (( لم ينقصني سوى الدخولِ إلى مصح عقلي ) )!
- (( مُصيبة أخف من مصيبة ) ).
عاد وهزّ رأسه متذمرًا من هذا المثل المبتذل، الذي جابهته به. يا للحماقة! ثم جلس. وسكت. سرح يفكر في ماضيه. يسترجع ذكرياتِ نسيانه، ويعيدها إلى ساح وعيه.
بعد قليل، انتابه شعور حاد. نفخ نفسه الساخن. ونهر المرأة: (( هاتي المسجل وضعي الشريط فيه ) ).
أجل اعتاد أن يطفئ غضبه بسماع أشرطة التسجيل التي يحتفظ بها. كانت الإذاعة بثّتها، بأقلام نقاد، تكلموا عن أدبه القصصي. لم ينس أنه قاص متمكن. ولم ينس أمجاده التالدة، في هذا الجنس الأدبي. استعرض كذلك -في مخيلته، لا في أذنيه فحسب -صور أشرطة الفيديو، في حفلة تكريمه. وفي مقابلاته التلفزيونية العديدة...
عصر قلبه حسرة وألمًا. كأن اندلق في بطنه رصاص مصهور. نهض بقوة. وهذه المرة تلمّس عصاه من حافة الأريكة. حتمًا عزم على أن يخرج من البيت. (( هذه عيني ) ). /قال ونفخ بحنق. ماعتِ الغرفة وأضحت كالهلام من شدة الزفير!
ردّت المرأة -ولتلطف الجو بمزحةٍ-: (( وأنا عينك الثانية. هيه ) ).
على الرغم منه انتشرت على وجهه ابتسامة. هذه المرأة تَحْمِلُ بطبعها أفكارًا بسيطة، غير مركبة. ولكن فطن: كلامها يعني أنها سترافقه.