من خلف الطاولة. ظهر لي الوجه ذاته. كان يلمع كموجة من نور، إذن، لم أخطئ المكان. ولكن للآن لم أر غير الوجه فقط. على كل حال. هذا عمل"المخرج". لا علاقة لي به. اتجهت هي صوبي. ما زالت الكواكب تفر من ثغرها، وهي تقدم برنامجها. غصت في بحور العينين العميقتين. وخلدت في محرابهما. كم هي بهية الروح، تضرعُ أنوثة ولطافة. وقفت قبالتها كالممغنط. أثبتت نظرها علي برحمانية. وكان طوفانًا من الحب فاض علي. هل سألتني: أأنت الذي...؟
ورخصت الدنيا عندي. كلمة تختصر كل الأبجديات. فأجبتُ كالذي فقد كوابحه: نعم أنا الذي.../ ويهرب الكلام.
عفوًا. هل كالمتها حقيقة؟ وضعي الشخصي أضحى في فوضى. أنا أعوم في غمرة هالة مقدسة.
ثم لمحتها عيناي الزائغتان. كانت صامتة. وقد رفت أهدابها. هل شرعت تحلم يا ترى؟
"تقدمي". ولا أدري، أعلانية نطقت أم سرًا؟ أجهرًا، أم بصوت خفيض؟
ثم تطاولت على رؤوس أصابع رجلي. علني ألمح المختبئ بالطاولة من محاسنها. ياه..! لو تنهض. فكيف ستكون قامتها الممشوقة المنبثقة من قلب الفجر. طولها ولا نخلة باسقة!/ وراحت تتراقص وتتقافز قدامي الكلمات: هيا ادرجي. بل اكرجي، يا حجلة الشاشة...
وفي أثناء حديثي الخفي هذا، كان قد انتهى وقت برنامج (صباح الخير) .
ودرجت. ولا أعلم كيف رأيت قامتها المنشودة، قد غارت في كرسي ذي دواليب حتى الكتفين.
درج الكرسي اللماع من معدن (ستانلس) . بل كرج مثل كرج الحجل. وأقبلت هي نحوي. ملأ رأسي سديم رمادي...
ظل الوجه البراق يسطع كالفضة النقية. ويتغلغل كالعقيق، في شراييني وأحاسيسي.
هي استمرت تدفع دواليب الكرسي بيديها الطريتين وكادت تتجاوزني..
أو ف ت ت /صفرت/ هذه هي من همت بها. لم تكن سوى وجه!!
التفتت إلي. وهزّت رأسها كأن امتلأ قلبها بالشفقة تجاهي. ثم تلألأت على ثغرها ابتسامة، وتابعت دفع الكرسي.
مشيت خلفها، وأنا أحمل جذوة روحي، حتى وصلت السيارة التي كانت تنتظرها.
أمشاج بلون الرماد
لهج الرجل نفسًا حارًا كاد يشتعل الهواء أمامه.
بعد أن جلس على الأريكة أو أجبر على الجلوس من قبل المرأة التي قادته.
طنّ في أذنيه: (( العميان كثر في هذه البلاد. فهل تهبط السماء على الأرض، إذا كنتَ واحدًا منهم"؟"
طبعًا التنديد صدر عن حالة من الضجر. فالمرأة كانت جدَّ متفجرةٍ بأعصابها! الرجل أقضّ راحتها في هذه الأيام. دائمًا يناكدها، ويولول. كأنه يقدمُ لها اعتراضاتهِ على العالم. وبكلام فظّ، لم تألفْهُ به من قبل.