فهرس الكتاب

الصفحة 21 من 38

أيقن أنّه (( هو ) ). ذو البذلة الحديثة. الذي ربط ياقة قميصه بعقدتين. عقدة اعتراضية فراشية. وأخرى مدلاة كذيل.

هاهو ذا يهوي عليه ثانية باشقًا كاسرًا.

ورآه يحمل بمنقاره عصفورته الجميلة.. وتذكر حين واعدها وعاهدها وانتظرها لبناء العش. نكثت وتبعت الباشق.

وصرخ الرجل باكيًا: لماذا؟ لماذا هجرتني يا عصفورتي؟ أغراك آكل الفطائس والفضلات فتركتني في فضاء مغبر حزينًا ومصلوبًا.

ومن جديد انهالت على جسده ضربات.

- (( لا تتذكر ولا تصرخ أيها الصقر الخاوي.... طاخ.. ) ).

- (( أهذا أنت يا باشق.. )

- (( لا تتذكر شيئًا ) )./ وطار الباشق بالعصفورة.

فاضت دموع الرجل. اختلطت بمياه غمرت المدينة. ترك رأسه وتمسّك بالموجة إلى أعلى. ورأى كيف طار في سماء المدينة وشاهد مومسات تطاولت أطيافها من نوافذ العمارات...

كان هناك أنصاف رجال وحشرات عششت كخيوط العنكبوت في الأوكار والشقوق...

ودهش عندما شاهد إبليس في أحد الأزقة يبكي من قسوة أصحاب العمارات وفسادهم.

- (( يا للخيبة ) )!/ صاح الرجل ثم تابع: (( كيف سأنجو من هذا/ قطع كلامه وأخذ يتوسل للأمواج: (( اقذفيني إلى مكان عال أيتها الأمواج.. إلى ذاك الجبل البعيد.. إنه يناديني. أسمعه في عميق قلبي ) ).

وغاص الرجل تحت الماء. ثم نشب إلى أعلى الموج بعد أن رفعه مارد جبار أزرق. وصاح الرجل (( أيها المارد. أيتها الأمواج العاتية. ارفعيني إلى العالي. الجبل الحنون يناديني ) ).

* (( يا جبلي الحبيب سأعتصم بك. سأظل في كنفك. أنشق هواءك أستاف شميم يخضورك. أصافح أديم سفوحك. ألثم لحيتك الثلجية الناصعة ) ).

وأمام الجبل ارتجف الرجل. ووجف قلبه.

- (( لا تخف أيها القادم إلي ) )/ هدر الجبل.

بشّ وجه الرجل. ومع تصاعد وجيب قلبه سعادةً؛ راح يصعد إلى الذروة. ومع وصوله طفق يستنشق عذرية الكون ويتغلغل ويذوب في تربة الجبل...

فجرًا.. وبعد أن ازداد ضجيج الشوارع. شق الرجل جفونه.

عبر أسلاك الهاتف

نفسه حدثته بأمر مفرح، سيلقاه. وإلا لما هذه الحيوية الزائدة التي يضج بها جسمه؟ لم يكن من عادته النهوض مبكرًا، ونشطًا بهذا الشكل!

يرهف السمع ويتكلم مع ذاته:"أراني أسمع دقدقة الدم، وهو يدفق في أوعية جسمي.. أزقزقة قمري هي، أم ماذا؟..."/ ثم يبتسم

لم يدر في باله كيف أنبأته حواسه بالمفاجأة السارة التي ستغمره في هذا الصباح. أو يعرف أن للحواس لغة خاصة تخاطب بها الشعور أو أن الحاسة السادسة، تعمل كعرافة!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت