فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 38

المهم عاش"خاطره الطيّب"الذي حَلَّ عليه- كضيف حميم، في هذه الغدوة العذبة، على الرغم من حياته القاحلة.

فطن. في سرعة فائقة، هيأ لنفسه فنجان قهوة، وحين جلس يرشفه قرب طاولة الهاتف، أحسّ أن قلبه صار يفرفر، مثل عصفور، يريد أن يطير. ابتسم ثانية وتمتم: هذا الهاتف، سيكون مصدر فرحي اليوم.

بعد أن انتهى من قهوته، أخذ يتلمّس"الجهاز"العجيب! داعب بأصابعه النحيلة أرقامه البارزة، كما لو كان يداعب أرقام ساعته الخاصة، حين يسألها عن الوقت- عفوًا، هذا الرجل له خصوصياته في أشيائه، أو له أشياؤه الخاصة- لا غرو، المهم أيقن أن حدسه لن يخيب. فبعد قليل، سيشنف أذنيه رنين أخّاذ. وصمّم في نفسه: يجب أن أبقى هنا، لا أبرح غرفتي هذا اليوم.

وهكذا عزف عن مغادرة غرفته، إلى ركنه المعتاد، في الشارع العام، من المدينة، لبيع أوراق اليانصيب.

وقف، دار حول الهاتف منتشيًا، بروعة الانتظار. تنهد:"أواه...! الانتظار لم يكن صعبًا خلافًا لعادته المألوفة. فهو معي حلو، كالشهد". وظل ينتظر"الرنة"الساحرة كأنه مع موعد صارم.

تذكر أنه كان يهاتف أصحاب الحظوظ السعيدة. الذين يربحون من أوراقه دون طائل. أما اليوم، فستكون المكالمة غير!!

حقيقة لما طال وقت الانتظار معه وهو يتملى خياراته الفتانة، كاد يصيبه انزياح جارف في العقل والذهن. وينقلب فرحه إلى جنون. خدرٌ عذبٌ يجري في أوصاله... ورؤى مخملية تتلامع في عالم وردي زاهٍ...

طبعًا، هذا الرجل لم يعتد مثل هذا"الانفلاش"في روحه. أمضى عمره المنكود دون رحابة. أو دون مفاجآت. يعيش أعزب، وحيدًا، في غرفة لاطئة كقبو. تقع في طرف المدينة الشرقي حيث"مكبّ قمامة البلدية". فمن أين جاءه هذا الشعور البهيج، وتلبّسه، كشيطان مريد، في هذا الصباح؟

بعد هنيهة، خفّف من غلواء سعادته، ومسح على الهاتف بحنو، كأنما يمسح على رأس حبيب:"اسرع"./ نطق بوداد. وانهالت في مخيلته تصاوير مشرقة بهية.

طبعًا انحاز لهذا"الإعجاز"المدهش، واستسلم له، كإكسير مصفىً. لم يجر أية محاكمات بين الخيال الباهر، الذي صعد به مجنّحًا كواحد من سكان هذه الأرض المعذّبين بأتعابها، المبهظين بأثقالها وأحمالها، من خلال شفافيته- أي الخيال- وشطحات تجاوزاته. وبين العقل العظيم الذي يحاول دومًا احتكار المعرفة له، بمقولات منطقه، وحتمية قوانينه.

بل ظل الرجل مغموسًا ينتشي بسحر الانتظار!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت