كانت، هي، دهشة من نفسها. منذ أن استيقظت تساءلت في خلدها: ما هذه البهجة الغامرة التي تسري في أوصالي؟ يا للصباح الودود! هل ستتبدل أيامي السوداء بأيام بيضاء أو خضراء؟
أجل... كم يظلم المجتمع أفراده، عندما يتدخل في شؤونهم وحيواتهم الخاصة.
هذه"المخلوقة"ذاقت الأمرين من ذوي الألسن الطويلة، فانعكفت منزوية في غرفتها لا تغادرها إلا في وقت العمل كموظفة في كوة بريد.
أجالت عينيها في جوانب غرفتها، ثم انصبت نظراتها، دون شعور منها، على آلة الهاتف."هذه الآلة يكمن فيها خلاصي"./ تمتمت، وجرجرت كرسيها إلى قرب الطاولة الصغيرة- الطربيزة- التي كانت تضوء بجمال الآلة السحرية.
-"هيا رنْ"./ تكلمت، وهي في كامل غبطتها، وافقت على أن تكاشف نفسها بسر هذه السعادة. فمرت في داخلها أفكار دافئة وحميمة عن ذاك الذي سيرفع سماعته، في الجانب الآخر، من مكان ما، من هذه المدينة. من سيسمعها صوته الرائع؟ وغامت متوهجة في تعاريج أفق شرقي تطرّزه الأساطير...
-"رنْ يا هاتفي".
ولكن مصباح علاء الدين لم يأتِ بمعجزته بعد، لم يرن.
ثم صمتٌ. ثم مزيد من الحرائق!
لا عليها. استأنفت: أنا سأقوم بالمهمة.
رفعت السماعة، وأغمضت عينيها، وأدارت القرص ست دورات. وفق طريقة (افتح يا سمسم) . أي، لتكن"ضربة حظ"كورقة يانصيب!
ترقرق البشر في جبينها، حين فاح من نرجس السماعة همس آسر. يا للروح! صوت شجي، رخي، يملأ شغاف القلب.
ظلت مطرقة مأخوذة بآلة الهاتف، لم ترمش عيناها. كرر الصوت:"نعم... من أنت"؟
تغلغلت النغمات المنداة بالشهد منداحة في أعماقها،"إنه هو... لقد عثرت عليه... يا لفرحتي"!/ تكلمت مع نفسها، وامتلأت سماؤها يمامات وقبرات وعنادل...
واقفت الطيف البهي، ونطقت:"أرجوك، لا تغلق"الخط"... ما هو رقمك؟".
"هو"، بلهفة المنتظر تلقف الكلمات، إنه في حضرة ابتهال مقدس. يصدر عن معبد سري، بل ثغر أنثوي ناضج وثري، نطق...
أجاب:"أهذه أنتِ؟ أنا ما زلت أنتظر صوتك العذب منذ الصباح."
تملت، هي، بكل جوارحها، ما نغم به الرجل من جرس جميل، وردت:"وأنا كنت بانتظارك".
وهكذا أحس الاثنان أن سيالة من معجون القلب والدم تنساب عبر الأسلاك، وتعبق في الخاشيم، كأريج من ريحان وياسمين!
استمر الرجل والمرأة على النهوض مبكرًا في كل صباح. واستمرا في المكالمة الهاتفية حتى أضحت هذه المكالمة كالعادة لديهما...