فهرس الكتاب

الصفحة 25 من 38

-"ما باله؟"./ تساءلت. هل تسرعت؟ هي، ترى أن من حقها أن تمارس الحب في الحياة كأنثى من بنات حواء، تفرغ شحنة قلبها، وتمنحها بحرارة للرجل الذي تهوى. ولا سيما أمضت ردحًا من عمرها، تفتّش عنه. ثم لا تنكر أنها تطمح، من خلاله، لتتعرف إلى عاطفة الأمومة كأية امرأة في هذا العالم.

تريد لها طفلًا تسعد به، وتغدق عليه حنانها، قرأت يومًا:"المرأة كالأرض، هذه تنبت الزرع، وتلك تنبت الأطفال... وتستمر الحياة...".

والرجل- أيضًا- تدهشه المرأة، المرأة كأنثى، فأحاسيسه تمور بها، وتتلألأ كلون البنفسج!

إضافة أنها ستنقذه من عزلته، وتكملّه في حياته...

غير أنه تأتأ، في مكالمته معها هذا الصباح، لماذا؟ ثمة سبب قاهر جعله يتأتئ.

أكدت له، في الصباح التالي:"هذا المساء سنلتقي حبيبي، لا تكسفني".

خالسته رعدة خبيثة وهو يسمعها، فيجب ألا يكسفها، كما رجته، ولتهبط السماء... نطق، محدّدًا الموعد هو نفسه:"الساعة السادسة... انتظريني حبيبتي في الحديقة العامة".

على مقعد خالٍ، منفرد، جلست المرأة تراقب بعينيها وتنتظر. مرات عدة اهتز نخيل روحها، وغرّدت أطياره، وهي تنتظر. سيغمرها الفرح العظيم بعد قليل. ستغلفها الأزهار، ويخضّلها الندى.

أقبل من بعيد، رجل يمشط الأرض أمامه، بعصًا، نظارة عاتمة بلون"الملس"الأسود تغطي نصف وجهه.

مهما يكن من أمر، هفا قلب المرأة لهذا الرجل القادم.

القلب هو الأصدق!

-"أيكون هو"؟/ تساءلت وظلت في توهجها.

-"إنه هو، وهذا سرّ تأتأته معي"./ تكلمت وانشرح صدرها أكثر، كأنه بعث لها في عز الطلب ما هذه المصادفة؟!

لقد هجست كثيرًا، طوال زمن المكالمات. كيف سترفع لثامها الذي اعتادته كخمار. واحتارت، إذا ما شاهد أنفها وفمها الملتصقين خلقة، فماذا ستقول له؟

كانت هذه"الشوهاء"تستر نصف وجهها باللثام، ولقد درج اسمها على ألسنة أهالي حيها"ذات أم لثام".

صبت من لسانها، هي، لومًا عنيفًا على والدتها التي اشتهت منذ أربعين سنة حبة (طماطم) في أيام وحامها ولمست وجهها، وقيل لها أنه حصل للجنين الذي في بطنها ما حصل... سامحها الله.

ثم عادت وسامحتها هي.

الرجل ما زال يدب بعصاه يتلمس طريقه إليها، لم يخالجه أي شعور سيئ تجاه المرأة، التي تنتظره، ولن تقول له: ارفع النظارة واكشف عن عينيك.

سمع غنّة الصوت، الذي كان قد سحره شهورًا وشهورًا:"إلى هنا حبيبي".

ثم احتوى المقعد المنفرد، في الحديقة، جسمين حميمين دافئين...

أنا وحبيبتي

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت