فهرس الكتاب
عندما كبوت على حافة طاولتي. كان قد أتعبني التفكير حتى الإرهاق. كدت أفلس ويصيبني يأس فظيع. ما العمل؟ أعيتني الحيلة، في البحث عنها. أين هربت وتركتني وحدي؟"أهكذا تفعلين بي بعد رفقة خمسين عامًا؟ ألا تذكرين كم دلّلتك ونمّقت حواشيك، ووشيّت ثناياك. و.."؟ فما الذي دهاك حتى تغادريني، دون سبب"؟"
رفعت رأسي. ظهر لي في المرآة وجه ارتسمت عليه خارطة عميقة التعاريج."ما هذا العبسة المخيفة يا (سليم) ؟ ناجيت نفسي. ثم تلاشت نظراتي، في تلك المرآة، إزاء حيرتي القاتلة. شحذت جوارحي، وغصت بداخلي. يوجد في أعماقي عالم مشحون بالتوتّر. يعتمل كأتونٍ في لحظة انفجار"
أجل تحوّلت إلى حزمة أعصاب بحتة. وأنا في لحظات التوفّز هذه.
ذكروا لي أنها لم تغادر غرفتي. ما زالت مختبئة فيها بين الكتب. وأمضيتُ الأيام والأسابيع، وأنا أقلّب أعمدتها المركونة قرب الجدران. وأفتّش في تضاعيف النصوص والأوراق المبعثرة هنا، وهناك. والألبسة المشنوقة على المسامير الصدئة. ولكن دون جدوى. لم أعثر عليها. هذه الطاولة التي أستند إليها دائمًا. لم تكتم شهادتها لي، بهذا الدأب. لو لها فم ينطق.
إذن كذبوا علي. هي تقبع، في غير الكتب. علّها خرجت تتنزّه والأيام ربيع! كلام مقبول ومعقول. ولأترك هذه الغرفة بمناظرها الكئيبة وأخرج مثلها، إلى فضاءات الله.
تزوّدت بالزوادة التي تحب. إذ اندفعت إلى الأمداء الخارجية بكل ما لدي من رومانسية، وحب للمرح مع القمر المتلألئ خلف الذرا. والنجوم، وهي تخفق بغمزاتها المشعّة. والريح وهي تعبث برجع الأصداء. واستقبلتني الطبيعة، حقيقة، بما يتلاءم وهذا الشعور. فأغدقت عليّ رهيف نسائمها ولطيف صباحاتها، ونداوة بحيراتها وأنهارها، ثم
ملأت المكان حولي شميم زهور وعطر ريحان وزعتر وحبق و...
ولكن مع كل هذا بقيت طريدتي مشاغبة عصية. لا تقارب. ولا تستسلم. كنت في لحظات التماهي. ما أن أمسك برأس الخيط لطيفها، أو ألمح بهرة جوهرها، حتى تفلتَ مني وتغيب. لِمَ هَربتْ قاسية القلب هذه؟ كلفّت نفسي الخروج. وها هي ذي أدنى من قاب قوسين. ثم تجفل وتضمحل بالبتة. ماذا أفعل؟ نثرت تعاويذي الخضلة ورجاءاتي المبلّلة بالدمع في الدروب والمفارق، دون فائدة.