فهرس الكتاب
ثم نصحت أن أرجع إلى غرفتي. وأخلد إلى عزلةٍ من الصمت والتأوّه. علّها تطلّ علي من إحدى الزوايا العميقة. أو من غبشة الظلمة. أو من وهج أصص الورد، التي كنت أهوى أنفاسها وأنا بصحبة تلك الهاربة. هي تحب هذه الطقوس. ورحت أناجيها في خلوتي: غاليتي. أنا وحدي هنا. تعالي إليّ. لقد قفصت نفسي بين أربعة جدران مسدودة، من أجلك. وفرشت لك رياش روحي. هلمي إليّ. انتظرك. وأتوسّل إليك بكل أعماقي. غاليتي...
ويشيح أمام عيني الداخليتين شبحها الجليل. فأهمّ بالقبض عليه ولكن كالقابض على النور. سرعان ما تفرّ، ويتبدّد خيالها. فأبقى حزينًا خانسًا إلى حين...
غير أنني لم أستكن ولن أستكين. يبقى شغفي بها يدفعني لأجدها. وتعود معي، لتسكنَ غرفتي. وأجالسَها، كالعادة على طاولتي هذه المملوءة بمزق الأوراق والأقلام و... ولذا أُراني أتوهّج من جديد بحثًا عنها. تشرق نفسي. وتزهر أوعيتي بالدم الزاهي. وتخضرّ برازخ، لا حصر لها، من الخلايا في براري جسدي شوقًا إليها. إنها حبيبتي الوحيدة في هذا العالم. هذه آثارها أمامي. هنا لمسة منها. وهناك بصمة لها. وأغلي اشتعالًا للقياها. لأحيط بهالة تكوينها البهي."حبيبتي ارجعي إليّ. كنتِ تغذّين عيني، كما تغذّين روحي ووجداني. اخرجي أين المخبأ..؟ أنا وحدي. لا أقوى على العيش دونك...".
وظللت كأنني أصرخ في واد، لا قرار له.