فهرس الكتاب

الصفحة 28 من 38

كبوتُ ثانية، على حافة الطاولة. وأنا محتدم بها. لابدَّ من أن أجدها. بعد هنيهة أوحي إليّ: أن أخرج من غرفتي المعزولة هذه. وأروّح عن ذاتي داخل المدينة. حيث يتجمهر الناس. وتزدحم أعدادهم لعلّي أعثر عليها في أثناء تجوالي متخفية بينهم. أو متلبّسة ثوب أحد منهم. هذه فكرة عظيمة، التي طرقت رأسي! كان عليّ أن أفطن بها من قبل. قمْ يا (سليم) . ناديت نفسي. وكدت أهرولُ برجلي الممصوصتين كعصوين. لا يهم. ولجت سوقًا مكتظة بالناس. تموج بهم كنهرٍ من الحياة، كان هؤلاء صنوفًا شتّى من البشر مختلفين في أعمارهم. وأشكالهم، وألوانهم. إنها لسوق رئيسة، وعامرة في هذه المدينة. أخذني فضول زائد، وأنا أشاهد الباعة والمشترين المساومين. هذا رجل يدفع عربته أمامه، ويعلن بأعلى صوته أن الجوارب التي يبيعها أمتن جواربَ في العالم. وهناك على الرصيف الآخر، من يقسم بأغلظ الأيمان أن البذلة التي يرقّصها بين يديه، لا تعادلها بذلة في المتانة والجودة. وذاك يبدي تصريحًا خطيرًا أمام واجهة دكانه: أن الحذاء الذي يبيعه، سيرافق صاحبه طوال عمره...

شعرت أن دماغي أخذ يتفتّح أكثر. هنا الحياة. الحياة شيء جميل وغني وممتع. وألاحتْ إليّ خيوط فجر جديد. هَهْ..! بدأت تتقارب خيالات حبيبتي مني. هل سأتمكّن من إلقاء القبض عليها هنا، واصطحبها معي إلى غرفتي؟ وأوغلتُ بين ركام الناس. وبقيت ارتقبُ طلعتها البهية. التفت ذات اليمين، وذات الشمال. إلى أن شدَّ انتباهي شجار طريف، بين رجل وامرأة. بل بين زوج وزوجته. حدث أمام واجهة دكان لبيع النظارات الشمسية. المرأة هزّت زوجها من يده: يا جلال اشترِ هذه النظارة. لا يجوز أن تبقى هكذا.

ـ لا، يا رانية.

ـ بل خذها، وهذه قيمتها. / وأخرجت من جزدانها ورقة مالية، من فئة الخمسمائة ليرة.

رفض جلال: سأبقى دون نظارة.

أشرق وجهي. بدأت طريدتي تلوح لي أكثر من بعيد. اقتربتُ من المتخاصمين.

ـ يا جلال اشتر النظارة إنها ضرورية لك / قالت رانية وأمسكت بكتفي جلال وشدته بعصبية / ـ ضعها على عينيك / تابعت.

ـ لن أضعها، رانية.

التفتتْ نحوي رانية. وكانت امرأة في الثلاثين من عمرها ناصعة الوجه. معتدلة القامة:

ـ يا أخ، مادام شغلك فضولُكَ بنا. ساعدني عليه. بل احكم: ألا تلزمه نظارة؟

نظرتُ في وجه الرجل. وجدتُ فيه عينين مهلوستين. تركت النار آثارها عليهما بشكل مخيف. نطقت: يا سيد جلال: الحق مع زوجتك اشترِ النظارة، واستر جفونك المرط، وحواجب...

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت