فهرس الكتاب
قاطعني: قلت لا.
صمتُ تلقائيًا: ولِمَ هذه الـ (لا) ؟
أجابني: لأنني لن أعود أراها، إذا ما وضعت النظارة على عينيّ.
قلت في نفسي: هذا الرجل يعاني مثلي من طريدة عصية عليه.
ثم نطقتُ: من هي هذه التي لن تعود تراها؟
أفرج شفتيه بابتسامة عميقة. كأن سكب فيها روحه كلها، وتكلّم:
ـ الطفلة التي أنقذتها من الحريق!!
"يا للمروءة"! قلت في نفسي ثم التويت ناحية زوجته، رانية: الحق مع زوجك يجب أن تبقى عيناه دون نظارة.
وقفلت راجعًا إلى غرفتي، وبصحبتي حبيبتي.
رهان
زمجر الرجل، ودمدم.
ثم ظل ذاهلًا، ينظر إلى اللا شيء.
هل أمحت، من أمام عينيه الزائغتين،"تلك اللعينة"؟
لا، فلتُمحق، من وجوده، بالبتة. هكذا صمّم. وهكذا أقَرَّ قراره؛ بعد أن استعرض تاريخها الطويل، الطويل، معه. وَهَمَّ ليرفسها، ويسحقها بقدميه سحقًا، دونما رحمة. ودونما خفقة قلب.
انفجر بكل قوته لينفذّ. ولكن، لا يدري كيف تحسّس شفتيه، وهما تبرطمان لتعلنا ما انتواه جهرًا.
طبعًا. تحرك لسانه. دون شك، بلّلهما برطوبته. فعادتا تفيضان لعابًا. بل حنينًا. رَمَعَ منخراه واتّسعا لذكراها.
عادت العينان المغبشتان تستعيدان الرؤية شيئًا فشيئًا. واستقرّتا"عليها". فوحوحت له أذناه، بعتابها:
أهذه رفقة، يا رجل؟ أهذه عشرة؟ أربعون سنة بصحبتك. كنّا خلالها متلازمين، متلاحمين، ككيان واحد. ماذا جر...؟
وقطع عتابها ريقه الذي كاد يشرق به. وما تشمّمه من رائحتها. إذ راح ينشق، بعذوبة، ذلك العبق الذي لا مثيل له. وثمل أنفه. جمد في مكانه، كأنه عدل.
حين توقّف شاهد نفسه في المرآة. فطن. فأخذ يتمتم كلامًا ضدَّ هيئته. وفاجأهُ سعال حادّ. فأغمض عينيه ليصبح دون رؤية، وهو يرفس، ويدوس العلب التي تساقطت على الأرض.
وهكذا مُزّقتْ شرّ ممزقٍ، في معركة حذائه الصاخبة!
وخرج من غرفته، وهو يلتقط أنفاسه التقاطًا. كأنه قادم من سباق ضاحية.
أين أنتِ أيتها الشوارع والساحات؟
سار الهوينى، ينظر، بهدوء تام، إلى المارّة، وأصحاب الدكاكين، والتجار، والمشترين. غير أنه لا يعرف لِمَ توقّف أمام واجهة مقهى؟ سمع قرقرة النراجيل. ورأى الدخان ينبعث من الأفواه المنتشية، على مهلٍ. ويشكل سحابات صغيرة، فوق الرؤوس. ويفغم الجو بنكهةٍ لذيذة.
ـ"هذه شرارة خطر". / تميم الرجل وقفل راجعًا.