فهرس الكتاب

الصفحة 30 من 38

في غرفته أراد أن يأكل. لم يستطيع. بقي صائمًا طوال يومه. هل يفارقه الجوع، يا ترى؟ الأكل مشكلة. وعدم الجوع مشكلة أخرى. بل مشكلة أصعب! هذا الرجل يريد أن يجوع، ليستطيع أن يأكل. فلا أكل دون جوع.

"هي"، حرّضت عليه أحشاءه، تريد أن تنتقم. طيّب. لا بأس. الجسم يستجمّ بالنوم، كما يستجمّ بالأكل. فلينم.

ولكن النوم جفاه أيضًا. استيقظت تحت جلده كلّ خلاياه. واستنفرت أعصابه، وأوعيته. كأنها استشعرت. أو تخاطرت فيما بينها، لتنخرط، جميعًا، في حلف غير مقدس ضده.

إذن كل هذه الدقائق والعناصر، من جسمه"معها"، وتطلب عودتها.

"هي"من جهتها، عرفت مدى قوّتها. وأخذت تصول وتجول، في سائر أنحاء جسده. تصرّ على أن تملي رغبتها الجامحة عليه.

ـ"أف! أتمتلك كل هذا النفوذ"؟ تعجّب من سيطرتها، وشدة فعلها على أنسجة جسمه. واندسّ في فراشه، غير مبال. علّه ينام.

أغمض عينيه. ولكنه ظل متناومًا. أي مستيقظًا، تحت جفونه. والأشد ضراوة، أنه راح يراها، ويتخيّلها بألف عين وعين في سره.

نهض وأشعل الضوء. اعترف أنه لم ينسها بعد. وحين جلس على الأريكة، ليخفّف من لهاثه، أخذ يستذكرها. كيف كانت تدغدغ شفتيه. وتداعب أصابعه. حتى أمعن النظر في آثارها الصفراء. وها هوذا أنفه قد أخذ يضغط عليه. لا شك أن حاسة الشمّ لجد عنيفة إذا ما حرّضت أيضًا. صار المسكين ينشق الهواء. كأنه يستعيد بخياشيمه نكهتها الذكية.

أخيرًا وقف. نظر في ساعة يده. كان العقربان يشيران إلى الثانية عشرة.

"هل من دكان مفتوح، الآن، في السوق"؟

ثم تساءل ثانية: عجيب! كلّها بطول عشرة سانتيمترات، أتقهرني؟ وتصرعني؟ بهذا الشكل. يا لقوّة فعلها!

"لتدرك قوة فعلي، فأنا رفيقة لثلاثة أرباع البشرية".

كأن سمع الرجل هذا الكلام منها. وهو يفكر فيها. صاح بعد أن التهبت حنجرته بالسعال:"خسئتِ. أنتِ رفيقة سوء. أنت أفعى ملساء خبيثة".

وبخّها. وجلس على الأريكة ينفخ أنفاسه."لو أكل شيئًا ما من الأدم المحفوظة في الثلاجة".

بيد أنه مازال دون شهية."شبعان"!

أين أنت أيها الجوع، يا بن الحرام؟ هلمَّ إلي. أتسطو على ملايين الناس، وتتركني وحدي، من بينهم"؟ هل أنت متحالف معها أيضًا؟ وعاود النوم مرة ثانية. ولكن ما أن علقت أجفانه ببعضها بعضًا، حتى ظهرت، هي له، كالنصلة المسنونة. وأخذت تسري في جسمه، حتى صارت أنسجته تصرخ في داخله:"نريد أن تعود إلينا...""

وشعر كأن شرايينه يبست، وتوقفت فيه دورته الدموية.

مالعمل؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت