فهرس الكتاب
نهض ثانية. وخرج، من غرفته دون أن يلوي على شيء بعد ساعة عاد، ومعه دزينة من علبها الحمراء الشهية. وشرع يشرق لفافاتها، بولع غريب، الواحدة تنتهي، وتتلوها الأخرى.
عاد إلى توازنه. وعاد إليه جوعه. فطعم حتى أتخمت معدته ثم نام.
في الصباح. حين استيقظ، كان صوته مبحوحًا، وأنفاسه مطبقة، وسعال مريب علق برئتيه. فطن:"على الرغم من أنها"هي"السبب. هل أخسر الرهان معها"؟
عاد وشجع نفسه، على كسب رهانه، وصحته معًا. ولكن"عدوته"اللدودة هذه. تبقى حيةً، مثل دمى (أفلام الكرتون) . لا تموت مهما داسها، وفتّتَ أجزاءها. وأمضى أسابيع خاسرًا. غير أنه ظلّ مصمّمًا على التخلّص منها. جميل أن يبقى الإنسان مصمّمًا على ما انتواه
فكّر في أن يتّبع أسلوبًا آخر. طالما لم يجدِ، معها، أسلوب"السحق والمحق".
خرج، ورأسه مشغول، في إيجاد صيغة جديدة لحلّ مشكلته.
مصادفةً، شاهد امرأة تحمل، على كتفها، طفلًا يلهو ببعض لعبه. همس في داخله:"لقد وجدت الحل"!
العودة إلى حالة الصفر
عندما دار حول نفسه، أمام المرآة، تأكّد من هيئته تمامًا، هذه المرة. إنه ما زال، هو، نفسه. نفسه بالذات، لم يتغيّر، أو يتحوّل إلى شيء آخر. أو ينمحق كيانه بالبتة.
ما زال جسمه العبل ذاته. وقامته لم ينقص طولها المعهود، عن /175/ سم (مئة وخمسة وسبعين سانتيمترًا) ـ وما زالت علامات الكبر الممّيزة فيه، هي هي: الكرش المندفعة إلى الأمام والكتفان العريضتان، والغدّة المدّلاة تحت الذقن.. وإن دنا من مشارف عمره، الرجل مسروق من غابر العز والوجاهة!
إذن، لنصل إلى أن جسده لم يفتقد أي عضو، من أعضائه المعروفة. لذا عليه أن يكرّر المرور.. وانطلق إلى شوارع مدينته، ليتأكد، من وجوده فيها، للمرة العاشرة.
عجيب! لشدما عانى من تثبيت وجوده هذا، أو عدمه، في هذا اليوم"المنحوس".
ولشدما أصابته الخيبة، حين قطع بضع مسافات، في الشارع الرئيس؛ وظلّ في الحالة نفسها! هَمَدَ، في داخله، وماتت تلك المخايل العذبة الجميلة، التي كانت تراوده، وتمور في رأسه! لم يفسح الناس له الطريق، ويصطفّوا على الأرصفة، ويهتفوا، ويحيّوا..
ـ كما كان يعتقد ـ طبعًا، هو لم يَجرّب منذ سنوات المرور، في شوارع المدينة مشيًا على الأقدام، والآن ماذا حل بالناس؟ أو ماذا حلّ به، هو؟ هل تحوّلت بذلة (الفراك) ، التي يرتديها إلى ذلك القبع الأخفى، الذي يتحدثون عنه؟ بلى، كأن لم يره أحد، حين مرّ في شوارع المدينة!