فهرس الكتاب
وأخيرًا، تحصّلت لديه فكرة، إزاء معضلة تثبيت وجوده هذه، وهي أن ما يراه، في المرآة، هو جسمه في السابق، وهذا الجسم الذي يجوس به الشوارع، الآن، قد تصاغر بحجمه، حتى وصل إلى درجة الاضمحلال، أو اللاشيء، وإلا، لماذا لم ينظر إليه أحد من الناس، وهو يمرّ، في الشوارع العامة؟ أكيد، هذا هو السبب، وكاد يصيح، وهو يكلّم المارة، في نفسه، عندما شخص صدمه بكتفه، وأوشك أن يرميه أرضًا، لم يعتذر منه ـ طبعًا ـ بل سمع هنف ضحك. لقد أحسّ بألم شديد، في تلك المنطقة من جسده، هو لم يعتد في الماضي الآلام، من (اللكم والصدم) . كاد يصيح: يا عالم.. يا هوو..ه! أنا رجل. لي جسم. لي أعضاء. وهيولى. و.. ـ كما كنت سابقًا ـ انظروا إليّ، شاهدوني، ولتكن عيونكم سيوفًا تمزّقني، شاهدوني.
وأصابه نوع من الدوخان.. أو مادت الأرض به، على كل حال رجع إلى البيت حانقًا غاضبًا. وقف أمام المرآة. ودخل في نفسه الشك: هذه المرآة تعامله بنفاق.
ثم أدار في باله أن حالته هذه لتدلّ على أنه تحوّل، في عيون الناس، إلى مخلوق آخر.
مخلوق صغير جدًا، نملة، بعوضة، أو حشرة مجهرية، لا ترى بالعين المجرّدة!
عاد، ورفع يديه أمامه. بل أخذ يتحسّس بهما جسده. ما بال هؤلاء العميان؟ فها هو ذا جسمه يطل عليه، بكل جرمه. إنه ذو تكوين بشري كامل، له حجم، وشكل، ووجهه فيه شاربان، وأنف، وعينان، و... إذن، هو ما زال هو، إنما الناس، في هذه المدينة، هم وحدهم، الذي عشت أبصارهم، وأغلق عليهم.
وأخذ يطرب أذنيه:
-"نعم سيدي".
-"فنجان قهوة، يا درويش".
-"حاضر سيدي".
وكان يسرع الآذن درويش ـ المختص بالضيافة ـ في تحضير فنجان قهوة مركّزة، دون سكر، لحضرة المدير العام.
-"ممنوع الدخول".
-"حاضر سيدي".
وكان في أثناء ذلك، يندس صوت نغوم، في أذني المدير العام، أبي مجذوب، من سماعة الهاتف:"البريد جاهز للتوقيع، حضرة المدير"
-"تفضلي، آنسة عطاف".
وبعد أن يغلق الباب، بآلة التحكم، يشيع في غرفة المدير العام، جوّ مملوء بالدفْ، وبسهام العيون، وببريق الابتسام، يقف السيد المدير العام ويقطف قبلة من تلّة الخد المورّد بالحياء.
ثم تنفرج الحواجز، وتتراقص شفرات الشفاه.
وضمات حارة مشحونة بـ"إحم.م.م.". نشوة أنفاس.. وهمهمات..و..
لحظات مخملية حالمة، تسطع في غرفة المدير العام، وتنفلت فيها عصافير الفرح على أبعد مدى.