فهرس الكتاب
يقفز الرجل من مكانه، ويعود، ليقف أمام المرآة الجدارية في بيته، التي صار يضطر لأن ينظر إليها، في عالمه المهجور:"أنا موجود، رأسي، شعري المخلوط بالبياض، قامتي الطويلة، لِمَ لا أعامل بها، في هذه المدينة"؟
وانتابه انفعال حاد، كالعصاب، عَبَرَ الباب، نحو الخارج.
-"إيْيْهْ..! لقد كانت في وجوههم عيون واسعة، تنظر إلى رجل مهيب الطلعة، كبير الجثة، تحيط به مظاهر احتفالية فائقة: الناس يلتفّون حوله."
ويصنعون حلقات ودوائر، وهو يليح رأسه، أو يشير بيده، لشقّ طريقه، بسيارة المرسيدس، حتى لا يصاب أحد منهم بـ"الدهس"..
ودّبت في رأسه حماسة، بل هلوسة:"يجب أن أخرج في الحال، لعلّ الناس يرجعون إلى صوابهم، وتعود إلى عيونهم الرؤية..".
وفي قارعة أحد الشوارع، صرخ، بعد أن خاب ظنه:"لماذا لا تفعلون يا جهلة.."؟
لقد توغل في جريمة الإيهام أكثر، إذ وجد نفسه يصرخ بوجهه، هو، فقط، ثم أخذ ينشج، ويبكي كطفل. لقد قَرَّ، في ذاته، أن حالةً ما، من العدمية تعتريه، حين يخرج، من البيت.. فيتحوّل إلى كائن غير مرئي، في طرقات المدينة، وإلا لِمَ يعامل بهذا التجاهل التام من الناس كافة؟
طامن رأسه، وانداحت فيه شتَّى الخيالات..
طاولة فارهة، من خشب الزان، الصناعة حفر، كرسي دوّار، من الخشب نفسه، يدور ويدور خلفها، وعليه هيكل من بني آدم، له وجه طافح أبيض، وصدر مارج، وأطراف ممتلئة. الكف كبيرة، ولكنها بضّة رخصة، كورقة الخسّ!
النعومة والطراوة دلالتا النعمة والجاه. أبو مجذوب، لا تفارق وجهه عبسة الوقار والهيبة، وقدمه، لا تكفّ عن ضغط الأزرار الأرضية. رنين الجرس، للمستخدمين، يلهب خياله..
ظل سادرًا.. إلى أن أصمَّ أذنيه صوت:"ريان يا باذنجان.. ريان، يا..". بل صدمة منه،"حتمًا هذا الخضري لم يرني، وهذا يدّل على أنني غير مرئي، يعني هل تحوّلت إلى لا شيء ـ فعلًا ـ إلى صفر"؟
وكاد يجن.."آه.. كيف كنت؟ وكيف صرت يا أبا مجذوب"؟
الرجل الماثل كالمعجزة على كرسيه، خلف طاولته الفاخرة، ينطق بتؤدة كلماتٍ قليلة، منفردة، كأنها موزونة بميزان. ثم يوزع الابتسامات العريضة على اليمين، وعلى الشمال.. ضغط بقدمه على الجرس:
-"قهوة، يا درويش، للضيوف"
-"حاضر، سيدي المدير العام"..
.. وهكذا لما عاد من شوارع المدينة، كان يملأ قلبه الحزن والكآبة، وكانت عيناه جد محمّرتين.