فهرس الكتاب

الصفحة 36 من 38

صهيل أسئلة محيرة تشقّ باب القلب وتدميه، لا خلاص لي إلا بالمضي زحفًا، وطّنت نفسي على شدّ قماط العيش، والتلاؤم مع الوضع الجديد..ووافق جسدي مكرهًا، طبعًا، ولكن نقزتُ، وأنا أمد يدي أفقيًا، وأسحب جسمي وراءهما، يا للهول! كيف سأعيش في الظلام والرطوبة والطحالب؟ أريد التبوّل، و... وتنبجس السوائل في أحشائي، ثم تهبّ عليّ رائحة زنخة، كريهة، من العفونة المعششة، منذ آلاف السنين، أسدّ أنفي بأصابعي، أحيانًا، وأتابع تحركي السلحفي، في دنيا هذا الظلام القاتل، أفكّر، وأدحرج الكلمات بين شفتي: لا جهات ... ولا أثر للخرائط والبوصلات طالما بطل مفعول الرؤية. عجيب كيف بعض الناس يعيش دون نور، في ظلام دامس، كهذا الظلام؟ حَتمًا بعد قليل سأعثر على بعض الصراصير والأفاعي، والسحالي، المختبئة، لأن الظلام ربيب مثل هذه المخلوقات. فالدهاليز مسكنها ومأواها... إذن...، عليّ أن أقاوم.

ثلاثة أيام كسولة، وأنا أزحف في هذا القسطل المبروم بمقدار حجمي، كأنه قالب مفصّل لي، أف..! ما أشدّ الزحف، ما أشدّ الوحدة..!

ورحت أستنجد بمخاليق الله الحميدة، ليتني أعثر على أرنب يهديني السبيل لأصل إلى برهة ضوء، أو أراها عن بعد عدة كيلو مترات، لا شك أنني بعد ثلاثة أيام سأعتبر بحكم الميّت، وسيتقبّل أهلي أحرّ التعازي من الأصحاب والجيران.

ماذا أصابني، وحلَّ بي؟ أهي ضريبة، فرضها عليّ خيالي الجموح، الذي شُده بعظمة الخلق، وجمال الصنع! آه..! من قانون الحياة الصارم هذا. كل شيء لا يأتي إلا بضريبة ـ راحة: تعب ـ فرح: حزن ـ اللقمة التي نلوكها لا تسقط إلى البطن إلا بعد قضم الأسنان. حتمًا عندما أخرج ـ على خير ـ سوف لا أُعْرَفُ. ولم يصدقني أحد أنني حي، كمن يحمل نعيه الأزلي."أنت مت وقرأنا الصحف". كينونة ماضية صرت وحسب!.

على كل حال، أنا بحاجة إلى أن أخرج من عالم ما تحت الأرض، بحاجة إلى أرنب ـ كما قلت ـ وإن لم يتوفر لي أرنب، فيكفيني ضفدع. حتى أهتدي إلى مثاب ضوء ورؤية، وناديت بكل عذابي: أين أنت أيها الضفدع الخرافي، دعني أسمع نقيقك. أف، منك أيتها الأرض العنيدة! أنت ستهرسينني، كما هرست تحت طيات بطنك، الدينوصورات، والمأموتات.. في غابر الأزمان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت