فهرس الكتاب
أخذنا ـ بدورنا ـ نتأمل ونفكر في رحابة النفق، وسقفه المقوس، وجدرانه المخدّدة بفعل الماء والزمن، وهيكله العام. هذا عقد حجري بناه معمار الطبيعة على شاكلة (عقد ريش) مكبّر، الذي اقتبسه الإنسان منه. كان لايني يوكف"الدلف". وقطرات الماء الصافية تتساقط علينا. لم نعد نبالي في شيء، إنما استمرأت خيالاتنا وأحاسيسنا المشاهد المذهلة. ونعمنا معها، بنكهة الطبيعة، والجيولوجيا، والسنين، والتاريخ. وتحركت فينا أكثر من روح، اندمجنا ببهرة الصنع الخلاّق.
صرنا نتفرق ونجتمع، دون أن ندري، من شدّة الاندهاش، مناظر عظيمة، زخارف عجيبة رسمتها ريشة الطبيعة الفنّانة، على الجدران..
وأصبح المكان، فينا، هو السيد، أسلمنا له كل جوارحنا، ليتصرّف بنا كما يشاء..
أ..؟ أ..؟ فطنت. كنت قد وعدتكم بكتابة قصة فلِمَ هذا الجولان في المكان؟
عذرًا، سأباشر.
…الاختفاء:
ولكن مع هذا، ظللت مشدوهًا، بالمكان، غائبًا في ذهولي بعالمي الجديد. وهكذا لم أعلم كيف انفردت عن أصحابي؟ ولا كيف آل بي الأمر إلى اختفائي عنهم، حَلَّ عليّ الظلام فجأة، لا دليل يرشد، ولا مصباح يضيء، ولا رائحة بني آدم تؤنس. النفق ضاق، لم تكمل الطبيعة، هنا، فعلها الجبّار، ـ كما فعلت في"الجو"ـ زيّن لي ذهني، المشوّش أنّني أتّجه نحو باب (الحلس) للخروج. ثمة فتحة. تزحلقت قدماي، سقطت في حندس شديد الكثافة.
تابعت قليلًا وأنا كابٍ، ثم جاثٍ، لا، بل حبوت، وزحفت، ولكن وجدت نفسي في نفق آخر، أواه..! هل أنا أكتشف مجاهيل ما تحت الأرض؟ لا.. أريد فقط العبور إلى الخارج، كيف العمل؟ أراني أتلوّى وحدي في بؤرة الكون وأغلق عليّ، إلى أين سأتجّه؟
والنفق يضغط، لا يسمح بترديد الصراخ، ولا يسمح كذلك بمدّ القامة إلا منبطحًا. أحسست أنني نَمَوْتُ بسرعة هائلة، حتى ضاق النفق، هيا ازحف على بطنك أيها"الحشري"، واخمش الجدران، علّك تصل، إلى نهاية هذا الدهليز المميت، علّك تلمح بعد قليل فجة نور، وتعود إلى بيتك. آه...! كم سيحزن عليّ أصحابي، وأهلي؟ وكم من الأيام سأقضي في هذا السرداب؟ وأية لغة في عالم البكاء والجنون والضحك أنطق؟