أردف الرجل: قدّمت يوم أمس مخطوطة رواية. أريد البت في موضوع نشرها.
... /ثم توقف. ونفخ بل تنحنح ليجلو حنجرته التي أحس أن شيئًا كالصدأ قد علق بها وكاد يخنقها. لم يألف مثل هذه (( البروتوكلات ) )الاورستقراطية في المقابلات. وبخاصة منها المقابلات ذات المستوى النسائي الراقي. حياته الماضية تعثرت كثيرًا بعد أن تخرج من الجامعة. وصار لها طعم العلقم. لا يقابل الناس إلا من بعيد. أو في مخيلته. الآن كأنه أحس أن مرحلة جميلة من عمره تنتظره. لذا تابع وإن ظلت لهجته مضطربة للمرأة التي كانت تسترق النظر إليه بين الفنة والأخرى: ولي الشرف أيتها السيدة المحترمة أن تحمل روايتي اسم (( دار وحيدة ) ).
تظاهرت المرأة بالكياسة. وطامنت له رأسها. وانشقت وردة جلنار على فمها. بعد أن ابتسمت.
نهضت. ومشت في أرض الغرفة. لم يدر الرجل لماذا؟ بل اقتربت منه الطيوب المثيرة أكثر وأكثر. اهتزّت كتل اللحم الطري في الأرداف والأكتاف. وأخذت تسابق هواء المروحة. امتلأ الرجل برائحتها.
وغمغم في داخله: امرأة شماء عامرة القد. اجتازت منتصف العمر ومازالت فاتنة كغزالة من عنبر، تعج الأنوثة من مسامها. ربات الأعمال اللواتي يشتغلن مثلها بالأرقام والأموال، تغشى وجوهن مبكرًا التجاعيد والكلف. أما هذه المرأة الساحرة فهي غير!!
ظلت المرأة تمشي أمامه جيئة وذهابًا. وتترجرج كتل جسمها الشهي. المفصل تفصيلًا من خلال الكنزة الزهرية والبنطال المبروم.
هل تحاول ذلك عن عمد؟
طبعًا أيقظت هذه المشاهد في نفس الرجل مشاعر وعواطف كان قد دفنها منذ زمن. عاد يتملّى المرأة بكل طاقة أحاسيسه، كصائم أفطر. كان كالظمآن في الصحراء والآن اهتدى إلى واحة ظليلة ذات ماء ورواء وشجر داني القطوف.
المرأة مازالت تدور في الغرفة والرجل يذوب في عالم السحر. طعم عذب لم تذقه حواسه من قبل... ثم فغر فاه: أ. أ...؟ ولكن المرأة سبقته: نعم أنا المديرة بالذات. لقد سهرت ليلة البارحة مع مخطوطة روايتك. ولكن ينقصها فصل أخير
*ما هو سيدتي؟
*الفصل الذي يتحدث عن قدوم بطلة الرواية إلى أرض الوطن وتأسيسها دار (( وحيدة ) )للنشر.
نهض الرجل دهشًا. وواقف المرأة وجها لوجه، وكأن تحول العالم لديه إلى جمة ورد. نطق: أنتِ (( حميدة ) )؟
ردّت المرأة بتؤدة: نعم أنا (( حميدة ) )يا (( أستاذ ) )أكرم!!
قادم من أقاصي الذهن
ذراري النفس تهوّم في غبش لا متناهٍ.