فهرس الكتاب

الصفحة 8 من 38

ثمة تلويحة"تشاور"لها. كانت تلويحة خجلة. غير أنها مملوءة بالوجد والنشوة. أجل هو متوفّز لرائحتها كأنثى. وتندفع نحوه كسمكة في عرض اليمّ. وتوشك أن تقبض على ضالتها. ثم تشيح عنها. وترجع بالخيبة. وبعد هذا اللوبان. لا تجد غير السراب. سراب بحرها الخادع!

كيف؟ كان قد ألاح لي بيده اليمنى. وبَرَقَ فيها شيء أصفر. آه...!

كم هو رائع وجميل الخاتم يلمع في"إصبع البنصر"، ويؤطرها...

وأخذ خيالها يغزل لها عرانيس، من المخايل الخلاّبة: عصفوران يقفزان فوق الأشجار. يبنيان عشّهما قشّة قشّة. طائرًا خطّاف يأتيان في موسم الربيع ليجدّدا الحياة...

تهدهد نفسها. ونواقيس الفرح تقرع في غياهبها. ثم تعود تستيقظ إثر بوق ساعي البريد.، الذي يثير الدهشة في كيانها من جديد. تستعيد ركام أيامها الرمادية: أين رسالته لي؟ لم يسلّمني إياها (الساعي) .

وتغطس في حندس يقظتها مكتئبة.

عالم اليقظة مسربل بالسواد. ولكن لم تيئس بعد. بل ثابرت بعناد الأنثى:

"ستصلني رسالته في اليوم الآتي".

تتعشم قمح الأماني. وساعي البريد يدور على الأبواب. يدقدقها. يقرع أجراسها. وينادي صاحبات الرسائل...

هي من جهتها تبقى تصيخ السمع بأذنين مرهفتين كأذني فرس. علّها تسمع نأمة ما تفصح عن اسمها. ثمة قلق حائر على وجهها. تهرع إلى الشرفة. وتصرخ بأعلى صوتها. كما يفعل المجانين:"اسمي ولهى... يا ساعي البريد". تذكر اسمها الأول. وتتركه مفتوحًا عن قصد. لتربطه يومًا ما بصاحب (الاسم المنشود) ، الذي فطن بها أخيرًا وكتب لها رسالة.... ولما لم تسمع اسمها. تساورها الشكوك: ساعي البريد هو الذي يحتجز الرسالة. حتمًا توجد لي رسالة بين الرسائل التي يوزّعها.

وتنفعل كأنها كلها إرادة لتصلها رسالة: يا ساعي البريد، لك عندي"إكرامية"مجزيةٌ، أين رسالتي

يا للخيبة! يسمع ساعي البريد. ولا يلتفت إلى الوراء.

يميّزها الغيظ. لو يعلم هذا الغبي مقدار المبلغ الذي سأكافئه به؟

سيفوق أضعاف مكافآت سلمى، وهيفاء، و....

تعود، وتنغلق على نفسها. دون أن تأخذها هواجس، من جهته.

هي تثق به. لقد أدمنت رؤيته. وصار جزءًا من حياتها الداخلية:

عندما رأيته في تلك"الأقاصي". وعدني برسالة. فلا بدّ من أن يفي بوعده. هو صادق. وساعي البريد ينساها في حقيبته. أو أنه يكرهني هذا الخبيث. ويضمر لي الشرّ. ماذا أسأت إليه؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت