وترتمي على فراشها لتعود إلى المطاردة في فيافي ذهنها. تحلّق. تلمح خياله. تتبعه بإصرارٍ طاغٍ. يبتعد عنها. تركض وراءه. تنده: يا.... / -وتنبت على لسانها غابة من كلام حلو عذب. دون أن تنطق. إذ تجد شفتيها مصمّغتين. تنزعج جدًا. وبحركة لا إرادية تسقط عن السرير. فيتبخّر الحلم الضائع، في محلولك اليقظة.
في ضحى يوم الغد، جاء ساعي البريد. كان خالي الوفاض كالعادة. قاومت دمعة حرّى كادت تنحدر على يانع خدها. فكرت كيف ستتعامل مع هذا العدو اللدود؟
فطنت أن تضلّله بعلبة بريدية في المدخل. علّه يدسّ فيها رسالتها.
في الضحى التالي، فتحت العلبة. وجدتها فارغة. ضربت الأرض بقدميها، وصفعت العلبة لكمةً، أطاحتها بعيدًا.
أين رسالتي؟ /سألت الساعي هذه المرة وجهًا لوجه، وهي تنفخ كأفعى في يوم حارّ. حدثتها نفسها أن تمسكه من ياقتة، وتشدّه...
واقفها الساعي برهةً. وهو يحدق إليها. دون أن يجيب. وجد في وجهها الفضي المشرّب بالحمرة عينين زرقاوين عميقتين عمق البحار. ويكنّان عن أسرار دفينة، كأسرار البحار -إنها لأنثى في عنفوان عمرها -بعد لأيٍ كسر قشرة الكلام:"رسالة من"؟
-"رسالته لي..."/وسكتت.
أحسّ الساعي كأن التمعت عيناها بكلام خفي. طامن رأسه. حتمًا فهم -بسليقته -أشياء كثيرة، في هذه المواقفة معها. ولا يدري كيف تعبأه حزن عظيم. من حق هذه المرأة أن تتسلّم رسالة.... ثم دفعه إشفاقه هذا لأن يسهر ليلة كاملة مع قلمه (ذي الحبر الناشف) . ويدبّج كلمات معدودة.
حقيقة. لم تغادر نفسه عيناها الآسرتان!
كادت تفقد عقلها. أو تنفجر، كقنبلة، من شدّة الفرح. حينما وجدت في العلبة رسالة ممهورة بخاتم بريدي.
-هذه رسالته. لقد أوفى بوعده لي. بين يدي رسالة حقيقية منه...
يالقوّة ذهنها هذه التي اكتشفت مخبأة، بعد مشقّة مريرة؛ وطوّعته، كقوّة فيزيائية!...
والآن، فلتنكب على الرسالة. لتلتهم عيناها أسطرها المتباعدة، المتواثبة، بكلمات قليلة. وضعت كصوىً في طريق مجهولة.
أعادت القراءة مرات، ومرات. وهي تشحذ طاقة جوارحها. بكل ما تستطيعه. ما أجمل لحظات البهجة!
-:"حبيبتي ولهي... أنا قادم... إليك... أعتذر منك... سألتقيك... الساعة السادسة... مساءً... في باب الحديقة. ونتكلّم كثيرًا إلى.... اللقاء..."
(توقيع مبهم)
حزن شديد آخر اعترى ساعي البريد.كيف خدع هذه"المخلوقة"؟
هي في الموعد المحدّد ستحضر طبعًا. وكم سيكون حزنها إذا ما خاب ظنها بصاحب الرسالة...