ثم غمره فرح عارم عندما حدثت تلك المقابلة المجدولة بالياسمين والحبق والنارنج. هناك على مقعد خال. قرب باب الحديقة العامة، بين رجل وامرأة.
كان يبتسم، وهو ينظر إليها. المرأة بكامل زينتها، وفائق عطرها.
والرجل ببذلة ذات ياقة وعقدة. لم يضرها قدمها. تبقى بذلة رسمية. تصلح لمقابلة امرأة، في أمسية زهرية. وخير من بذلة عمل مصنوعة من قماش الخاكي الأزرق...
إنها لم تغادر
تلبّسني من كل جهاتي، وأظهر سياطه:"هيا اخرج وإلاّ...".
كنت خانسًا منزويًا في ركني. هجرني النوم والأكل. وغادرتْ وجهي ضوءات الفرح والابتسام. لقد اندحر كل بصيص في أعماقي، ووجودي.
-"هيا اخرج"/كرّر بحزم/.
ما زالت سياطه مشهرة، من أين جاءني هذا العفريت؟ أية أرض أنبتته؟ أنت أيها المنقضّ علي كالسيف، مالك ومالي؟
أنا حر في ممارسة بؤسي وحزني.. تعاستي تكفيني.
-"لا.. لا"- /نهرني بشدّة/ -ثم تابع:"قمْ وسرْ أمامي، بل بجانبي، أو فوقي، أو داخلي، أو...".
واقتحمني بقوة، وغلّفني من كل أقطاري، وهيمن عليّ كلية.
حقيقة: خفتُ منه. فانصعت له، ولهذا أطرحت ركني الكئيب، وخرجت بصحبته القاسية العنيدة.
أجل، كنت قد عانيت من آلام الوحدة، وكوابيس العزلة ما عانيت، حتى نحل جسمي، وشفّ جلدي. وأنا أركع في محراب ذكراها. اتخذت قاعدة؛ على المرء أن يظل قابعًا في يأسه وحروده، إذا ما أصابته مصيبة، وليعزف الصمت في داخله، سيمفونياته، إلى ما يشاء!
وأجدني قد أمضيت أيامًا وليالي، وأنا أنتحب وحيدًا، أنا والسماء، أبكي وأعول، على رحيل (وفاء) ، حاولت أن أثنيها عن المغادرة فلم أستطع، قالت:"هذا هو قدري، يا (سليم) . فعمري محتوم. الوداع".
وطأطأ القدر نفسه بخشوع أمام صورة مرسومة بدمع عينين ذابلتين.
هذا هو الفراق الصعب، بيني وبينها، الفراق الذي لا لقاء بعده. ولا رجعة فيه. غادرت وتحمل معها شيئًا من اللا نهاية. وهنا يكمن السرّ العظيم لهذه المصيبة التي ابتليت بها. (وفاء) تساوي عندي كل الدنيا. فخسرتها، وخسرت معها الدنيا. فحياتي صقيع. والدنيا أضحت كلها ورقة خريف صفراء...
-"بماذا تفكّر"؟ / نهرني مرة ثانية.
نبستُ، وأول مرة أنبس له بشفتي: أنت تعلم ما الذي أدرته في بالي.
جَهَمَ وجهه بي بعبسة هائلة:"ليس فراقها أبديًا كما تعتقد. بل تقدّم معي وستجدها".
يا الله! أهذا صحيح؟ أيجوز أن ترجع (وفاء) ؟ ولكن هذا محال... محال...